دعوة الحق، س4، ع 5 /فبراير 1961 .................... ص1
بسم الله الرحمن الرحيم
تعزية ... من خديم وفي
الحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الله أكبر، وإنا لله وإنا إليه راجعون!
إنه لينقبض الصدر، وينحبس اللسان، وأن أدق الكلمات وأصح التعابير وان بحثت عنها في صفحات المعاجم وبطون الدواوين والمصنفات، لتبقى عاجزة عن الإفصاح عما يختلج في النفس، وما يحترق به الفؤاد، أمام الخطب المهول والفاجعة العظمى، والكارثة التي حلت من غير ميعاد.
نعم إنها كارثة وفاجعة وخطب جلل، ولكنها ليست كغيرها من الكوارث والفواجع والخطوب. إنها في الواقع كالصاعقة التي تأتي بعد أن يكون الجو صحوا، والسماء صافية الأديم، فتنطلق الرياح، وتتلوها الزوبعة فيقع الإعصار، وتنزل الصاعقة، لا تبقى ولا تذر، وتصرع كل من أصابته شظاياها. لقد كانت الصدمة عنيفة لما بدأت الأخبار تتسرب وتتنقل تنقل النار في الهشيم: إن محمدا الخامس قد لفظ نفسه الأخير، ان محمدا الخامس قد التحق بالرفيق الأعلى، ان محمدا الخامس قد مات!
سمعت هذه الكلمات، وكنت متأكدا أن لها مدلولا، وأنها تعبر عن شيء واقع، ولكني كنت لا أصدق. كنت أود أن يصبح الصدق كذبا. وكانت نفسي من شدة الأسى والألم تعاني أزمة نفسية امتزجت فيها تيارات مختلفة متعاكسة، فتتراءى لها الحقيقة الدامغة، ثم الأمل في أن تكون هذه الحقيقة مجرد شبح عابر. وهكذا انسكبت دموعنا، وانفطرت قلوبنا، وحل الحزن العميق محله من أفئدتنا.
إن الأمة جمعاء تندبك يأسيد البلاد، وحامي حماها. إن الشعب بأسره خرج يفترش الغبراء ليعبر لك عن جزء ضئيل من مدى تعلقه بك وحزنه على فراقك.
وأن الخديم الذي تشرف بخدمتك منذ أن بوأك الله عرش هذه الأمة، وقيضك لإعلاء كلمتها، واعزاز جانبها، فاستطاع بفضل ما حباه الله من نعمة القرب منك، والعمل تحت إشرافك، والانضواء تحت لوائك أن يلتمس فيك «العزيمة التي لا تفل، والإرادة التي لا تلين» والذب عن حياض الوطن، والسعي المتواصل في تحقيق رفاهية الشعب، ولم شعثه وتقويم منآده، ونصرة المظلوم، وإسعاف المنكوب، والأخذ بيد