تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما يبيح الاعتقاد بأن الحالة الموريطانية بمفردها قد تشذ عن هذه الحتمية التاريخية الصحيحة دائما، إن العكس هو الصحيح في الواقع، فالقضية الموريطانية - كغيرها من قضايا التجزئة المفروضة- من شأنها أن تفضي إلى قيام حالة قلقة وغير مستقرة في غرب الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى، وليس من ريب في أن نشوء مثل هذه الحالة في قطاع دولي حساس وهام كقطاع الشمال الإفريقي يفضي بالطبع إلى إحداث آثار بعيدة المفعول على سير العلاقات الدولية بين شعوبه أو بعضها على الأقل وبين فرنسا والجهاز الدولي الضخم الذي يسبح في فلكها، ومن الجائز جدا أن يؤدي كل ذلك إلى انفتاح آفاق جديدة في رقعة النزاعات الدولية الحادة وقيام حالة أخرى من حالات الصراع الإقليمي المتواصل يماثل في ملابساته وتدخلاته العالمية ذلك النوع من التنازع الحاد والدائم الذي يوجد بين الجمهورية العربية المتحدة وإسرائيل.

وقد يبدو الحديث عن هذه الإمكانيات الدولية الخطيرة التي ينطوي عليها استمرار الوضع الحالي بموريطانيا والصحراء الكبرى - قد يبدو الحديث عن ذلك بمثل هذه الصورة مكتسبا صبغة المبالغة والتهويل ولكن قليلا من التأمل في الجوانب التي تحيط بنشأة وتطور كثير من الأوضاع المماثلة التي لا تفتأ تساهم في تسميم أجواء الأفق الدولي باستمرار كالوضع في الفيتنام وكوريا وألمانيا وفلسطين وغيرها - إن قليلا من إمعان النظر في مثل هذه الأوضاع غير الطبيعية قد يغني في الدلالة على ما يمكن أن تؤدي إليه عمليات التجزئة المصطنعة من صعوبات دولية معقدة على الرغم من اختلاف الظروف التي يمكن أن تكون سببا في وقوع هذه التجزئة، ومن الجلي أن المقدمات التآمرية التي أفضت إلى عزل موريطانيا عن المغرب من شأنها أن تقود إلى إبراز نفس الصعوبات الدولية بكل ما تنطوي عليه من تشعب وتعقيد، وما تحمله في تضاعيفها من تأثير على الاستقرار الدولي العام، لأن النتائج التي من الطبيعي أن تؤدي إليها هذه المقدمات في موريطانيا هي نفس النتائج التي كانت أساسا لخطورة الأحوال الدولية بالشرق الأقصى والشرق الأوسط وأواسط أوربا نتيجة الأوضاع التقسيمية المفروضة على شعوب هذه المناطق، وإذا كانت الأحوال الحاضرة بموريطانيا تبدو في مظهر يوحي ببعض الهدوء النسبي فإن الإمكانيات الانفجارية التي تزخر بها القضية الموريطانية من شأنها أن تعصف بهذا الهدوء وتأتي عليه في أي وقت من الأوقات، والحق أنه من الصعب تقدير هذه الإمكانيات تقديرا صحيحا ودقيقا، إلا أن الذي يبدو مؤكدا أن النتائج التي قد تنبثق عنها لا بد أن تكون على درجة من الأهمية والخطورة سواء على الصعيد القاري الإفريقي أو على الصعيد الإقليمي المتوسط، ومن بين هذه النتائج:

1 - قيام حالة من التوتر السياسي والنفساني الناشئ عادة عن عمليات التجزئة والتقسيم في منطقة المغرب والصحراء مثل ما هو عليه الأمر في كوريا والفيتنام وألمانيا وغيرها.

2 - نشوء أوضاع في المنطقة تساعد - نتيجة لذلك- على وقوع مصادمات دولية حادة قد يكون لها تأثيرها على مستقبل العلاقات بيننا وبين الغرب.

3 - احتمال استفحال التدخل الدولي في موريطانيا واتساع نطاق التسربات الأجنبية إلى الإقليم وما قد يعقب ذلك من آثار سيئة على حسن توازن العلاقات الدولية بإفريقيا.

هذه بعض الإمكانيات الخطيرة التي يحتضنها - بحق- وجود المشكلة الحالية بموريطانيا، وظهور المشكلة بهذا الشكل الحاد وانطواؤها على هذه الإمكانيات يعود في المقام الأول إلى مصادمتها للروح الخيرة التي يجب أن تضبط جو العلاقات بين الأمم والشعوب ومجافاتها للقيم المعنوية الخالدة التي ترتكز عليها مفاهيم الحرية الإنسانية في مختلف الأقطار والأمصار، على الرغم مما تبديه الديبلوماسية الفرنسية في هذا المضمار من كلف سطحي بمبدأ حق تقرير المصير وحرص ظاهري على احترام مقتضياته بالنسبة للشعب المغربي في إقليم موريطانيا، وهذا وجه آخر من أوجه التناقض والتهافت الذي تنطبع به المناهج الاستعمارية الفرنسية في هذا الميدان.

(يتبع)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٩٠