تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دولي ثابت الشرعية لكي يكون لهذا الكيان ما يبرر وجوده الفعلي واستمراره القانوني وما يعطي لهذا الوجود والاستمرار مفهومهما العقلي الأصيل، وإلى كل ذلك فإن الظروف السياسية التي رافقت نشوء العهد الحالي بموريطانيا وكانت أساسا لقيام المؤسسات التي يستند عليها وجوده، هذه الظروف تعتبر دائما على درجة عظيمة من الالتواء والغموض، وتشكل مظهر تآمر سياسي واضح المعالم والمفهوم، فعملية الاستفتاء التي أقحمها النظام الدوكولي منذ سنتين على سكان المستعمرات والمحميات والتي تعتبر من بين التدرجات السياسية المؤدية إلى قيام الوضع الحالي بموريطانيا، هذه العملية لا تنطوي بالفعل على قيمة حقوقية ثابتة، لأن الظروف التي تمت فيها لم تكن عادية ولا طبيعية، بل إنها كانت تشكل مجرد استمرار للجو الاستبدادي التحكمي الذي يميز جميع الأوضاع الاستعمارية في العالم، هذا إلى أن صيغة هذا الاستفتاء لم تكن على شكل يكفي لاستيعاب جميع مضامين الاتجاه السياسي لشعب موريطانيا، كالميل مثلا إلى إعادة إقرار الوحدة المغربية عن طريق الالتحام بين أجزاء المغرب في الشمال والجنوب، وانعدام الشرعية بهذه الصورة لا يتمثل في عمليات الاستفتاء تلك فقط، بل يتجلى كذلك فيما أعقب تلك العملية من بوادر سياسية ودستورية مختلفة تهدف في جوهرها إلى إقامة مؤسسات سياسية مفتعلة واصطناع كيان دولي غير طبيعي، وذلك عن طريق إجراء انتخابات تشريعية مظهرية وتنصيب مجلس وطني صوري ووضع دستور قومي مرتجل.

هذا إلى أن الوضع المقام في موريطانيا عن طريق هذه الأساليب لا يفتأ يواجه من الاعتراضات على الصعيد الدولي ما يعتبر ذا دلالة خطيرة على مستقبله ووجوده، لأن الاعتراضات الموجهة لهذا الوضع لا تتناول فقط مجرد سلوك القائمين عليه أو تستهدف مذاهبهم واتجاهاتهم، بل إنها تمس الأسس الجوهرية التي يرتكز عليها مبدأ وجوده والمعطيات القانونية التي تبرر نشوءه واستمراره.

وحالة موريطانيا في هذا الأمر تماثل الحالة التي خلقها قيام الكيان الإسرائيلي في أرض فلسطين سنة 1948، فقد صادر اليهود هم أيضا حيزا أرضيا تؤول ملكيته إلى الغير، وأقاموا على هذا الحيز كيانا قوميا مصطنعا لا يتمتع بأي قسط من التماسك والتجانس وتسود وجوده حالة من التوتر الدولي الدائم تجعله عرضة للتهديد المباشر غير المنقطع، وقد كلف وجود هذا النظام الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ثمنا باهظا، بل إن الاحتكاكات المسلحة الناشئة عنه كادت تؤدي في كثير من الحالات إلى إصابة السلام العالمي في الصميم، مثل ما حدث غداة إقدام القوات الإسرائيلية على اجتياح سيناء، والمشادات الدولية الحادة التي أعقبت ذلك والتي تمثل بعضها في الإنذار الموجه من طرف السوفييت إلى حكومات فرنسا والمملكة المتحدة، وتمثل بعضها الآخر في توتر العلائق بين أمريكا وحلفائها الغربيين المهاجمين بشكل حاد وقوي المفعول. وواضح أن استمرار وجود الكيان الإسرائيلي - وارتباطات هذا الكيان بمشاكل التجزئات الاستعمارية - لن يكون مطلقا عامل تهدئة واستقرار في أنحاء الوطن العربي، بل إنه يساعد بالعكس على استمرار وجود حالة التوتر المشحون بمختلف الإمكانات الانفجارية التي لم تكن حملة سيناء إلا إحدى الشرارات المنبعثة عنها، وهكذا الأمر بالنسبة للوضع القائم في موريطانيا المغربية، فقد نشأ هذا الوضع الغريب وظلال التآمر الدولي تكتنف جوانبه وتضفي على وجوده أردية قاتمة ملؤها الغموض والريب والالتواء، وبقدر ما يمتد به الوجود بقدر ما تزداد عناصر الافتعال والتناقض والتضاد التي صاحبت نشوءه وضوحا وبروزا، ولو أن الحالة التي خلقها هذا الوضع كانت تشكل مجرد معضلة قانونية نظرية لا تأثير لها على الصعيد العملي الذي يتصل فعليا بواقع العلاقات القائمة بين الدول والحكومات والمنظمات العالمية وغيرها - لو كانت الحالة القائمة في موريطانيا بهذه المثابة لكان من الجائز أن تكون أقل إثارة لمشاعر الحذر والريب الذي يبثه وجودها في كثير من المحافل الدولية في العالم، إلا أن الواقع الذي تمثله هذه الحالة يتجلى في خطورة النتائج المنبثقة عنها، هذه النتائج التي ليست - في جوهر الأمر- مطلق نظريات وفروض مجردة بل إنها ذات فعالية حقيقية وتأثير قوي غير محدود، ومن شأنها أن تساهم في تحريف كثير من الحقائق والوقائع التاريخية والاجتماعية والجغرافية والإنسانية الثابتة، وتشكل أساسا للنيل من سلامة ووحدة كيان قومي مرتكز على أساس هذه الحقائق والوقائع، وتفضي في النهاية إلى فرض حالات سياسية ودولية معينة تنسجم مع وجهات النظر التوسعية العامة وتقوم على أساسها. ومن المؤكد أن استمرار حالات من هذا النوع كالحالة القائمة في إقليم موريطانيا ليس مما يعين عادة على تدعيم عوامل الاستقرار العام في أية منطقة كان ذلك من مناطق العالم، وليس هناك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٨٩