دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 .................... ص34
فتق اللسان بالمحاورة:
وسوف لا نستطيع إخفاء إعجابنا لنظرية سوف نتفق معه فيها على طول الخط، وهي (فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها) أليس هذا قريبا مما تحرص عليه التربية الحديثة من جعل التلاميذ مشاركين لا منصتين، وما ترمي إليه أسئلة المراجعة والاختبار، ولنستمع إليه يضرب لنا المثل بطلبة المغرب، وكانوا يعتقدون أن الحفظ هو كل شيء (فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في المجالس العلمية، سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أمثر من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل، تجد ملكته قاصرة في علمه أن فاوض أو ناظر أو علم، وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده) فانظر كيف ينسب القصور لفقدان المعلمين المقتدرين، وهو ما عبر عنه ب (انقطاع سنده) (وإلا فحفظهم أبلغ من سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية، وليس كذلك).
الشدة على المتعلمين مضرة بهم:
من الطريف حقا أن نلاحظ أن ابن خلدون عقد فصلا خاصا يتعلق بالشدة في التعليم، والنتائج الضارة التي تنشأ عن ذلك، مما يدل على عنايته الخاصة بقضية العنف في التربية، ومما يدل أيضا على أن الطفل لم يعدم في التربية الإسلامية نصيرا وداعيا إلى الرأفة والرفق والملاينة، ليس هو ابن خلدون فحسب، بل هو كل من ضرب بسهم في مضمار التربية الإسلامية العالية، ويتمثل في عمر بن الخطاب، وفي الرشيد العباسي، وفي غير هذا وذاك.
لقد سجل ابن خلدون فساد الطريقة المبنية على العسف والقهر وإزهاق الحد في التعليم، وإنها ليست فاسدة فحسب، بل هي مضرة بالمتعلم، و لاسيما صغار الأطفال، ولا يكتفي بذكر ضرر واحد بل بمجموعة من الأضرار التي لا مجال لمناقشته فيها، لأنها ليست مما نختلف معه فيها، فما هي الأضرار التي يرى أنها تنشأ عن العسف والقهر؟.
إنها: التضييق على النفس في انبساطها، ولعله ما يعبر عنه بالعقدة النفسية في التعبير الحديث، فقدان النشاط، الركون إلى الكسل، التظاهر بغير ما في ضمير خوفا من العقاب، الاتصاف بالمكر والخديعة، صيرورة هذه الصفات كلها عادة له وخلقا.
فانظر كيف قرن العادة بالخلق، ويقول أحد علماء النفس: (من زرع فكرا حصد عملا، ومن زرع عملا حصد عادة، ومن زرع عادة حصد خلقا، ومن زرع خلقا حصد نصيبه من الدنيا) وبالرغم من هذا ننبه إلى ما في هذا الرأي الأخير من آلية، لأن الخلق الواسع نطاقا من العادة، وإن كان اتصاله بها وثيقا.
ويستمر ابن خلدون في ذكر الأضرار، فساد معاني الإنسانية فيه، الكسل عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، القصور عن الوصول إلى الغايات الإنسانية، الإرتكاس والبقاء في الحضيض.
فهل لنا أن نجادله في أن الطفل الذي يرمي بالقوة والضغط يفقد انبساط نفسه التي تصير كأضيق وأحرج ما تكون النفس، الأمر الذي يؤدي إلى تنطع جارف أو عقدة نفسية يستعصى حلها، إلا إذا بوشرت بواسطة التحليل؟.
ألا نلاحظ أن هذا الطفل يفقد سجيته والتعبير عن نفسه وعما في ضميره، فيضمر خلاف ما يبدي، ويبدي عكس ما يبطن، ورغباته وطابعه وميوله تفني دائما في رغبة وطابع وميول مربيه الجلاد؟ فهو الذي يريد اللعب والحركة والحرية إلى غير ذلك مما تستدعيه طبيعة طفولته، هو وكل ذلك، يريد السكون والقيود وما يرى أنه سيتحامى به عن السوط وقضبان السفرجل!! ألا تدعوه حالته تلك إلى الكسل عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل مادام يعلم أن الجلاد من ورائه لا يرحمه ولو فعل ما يعتقد أنه حسن؟ إلا تقصر نفسه عن المثل العليا التي هي غاية كل نفس والتي هي مدى الإنسانية وذروتها؟ ومادام الأمر كذلك ألا يكون قد انتكس من حيث كان يجب أن يعلو ويطمح؟ ألا يدلنا هذا على مدى تعمق الرجل في دراسة الأشخاص والجماعات؟ وأقول الجماعات لأنه لا يقصر هذا على الطفل، بل حتى على الخدم والعبيد والأمم وكل من ملك عليه أمره، ولا نستغرب منه هذه النظرة الشمولية، فهو رجل تصدى لدراسة العمران البشري، وما يكتنف هذا العمران من ظروف وملابسات.
وبعد ذكر الأضرار الناشئة عن القسوة في التربية يخلص إلى النتيجة (فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده ألا يستبد عليهم في التأديب).
هذه أهم آراء العلامة ابن خلدون التربوية، وما نعتقد أننا استوفيناها جميعها، وإذا كان المقام يقتضي منا عدم الاستمرار في تحليل ومناقشة ما بقي منها، فإننا لا نتأخر عن سرد ما بقي منها ذلك، عدم التوسع في العلوم الآلية بخلاف العلوم المقصودة بالذات، عدم مطالبة التلاميذ بمعرفة ما وقع في العلوم من مختلف الاصطلاحات وتعدد المذاهب، وعدم تكليفهم استقصاء