ولكن ما بال الحكومة البريطانية تصر على أن تأخذ رأي السكان الغامبيين قبل الخوض في مصيرهم الدولي؟ وما بال الرئيس مامادوديا يعود من لندن ولا يحمل في حقيبته غير التأكيد على الحل الذي يراه البريطانيون؟ وما باله غير مرتاح لهذه النتيجة بالرغم من كل الاعتبارات التي ألمعنا إليها؟
إن دراسة الوضع السياسي والعنصري في هذا الشريط الضيق الواقع في قلب السينيغال تجعل المتسائل يوقن بأن جواب الحكومة المملكة المتحدة كان رفضا لبقا لوجهة نطر دكار، وكان مسايرة ماهرة لبعض الآراء في غامبيا نفسها.
فعلى الرغم من تماثل الأرض الغامبية والسنغالية، وسيرهما معا في نطاق تطور تاريخي وحضاري مشترك فإن أمرا واحدا يجب أخده بعين الاعتبار، وهو السكان الذي يقطنون هده المستعمرة، وهنا نكون وجها لوجه أمام المتناقضات.
فالسكان في غامبيا لا يختلفون اختلافا بينا عن أبناء عمومتهم في الشمال والجنوب بقدر ما يختلفون عنهم في أهوائهم وعواطفهم ونضجهم وثقافتهم.
فالقبائل التي توجد في شمال النهر (غامبيا) تدعى (الماند) بينما فيما وراء جدود المستعمرة الشمالية تقطن قبائل تدعى (سيرير)، أما في الشرق والجنوب الشرقي فتسكن المستعمرة قبيلة (المالنكي) التي لا توجد في غينيا. ولا يمكننا أن نتصور وقوع غامبيا في حدود منطقتين بشريتين هامتين دون أن نتصور ظروفا من عدم الاستقرار، تولد عند السكان خوفا متواصلا وسخطا على المجموع.
على أن المهم في مصير المستعمرة هو أنه لا يتعلق بهذه الناحية (الديموغرافية) في الدرجة الأولى ولكنه يتعلق قبل كل شيء بعواطف سكانها.
إن الغامبيين يمتازون بنزوعهم إلى التحرر، بخلاف ما نعرفه عن قادة السنغال، فالأحزاب على صغرها تعتنق مبادئ الحرية الإفريقية البعيدة عن كل ارتباط، وتؤمن بالوحدة الصادرة من حاجيات الأفارقة وإرادتهم، ولا يجب أن ننسى دور الحركة النقابية في غامبيا، هذه الحركة التي تعتبر أن قائدها ورائدها هو أحمد توري أي أنها فرع نشيط من فروع (الوجيتان).
ومن هنا يبدو واضحا سلوك قادة السنيغال، وتوجيهاتهم على المستوى الداخلي والإفريقي والدولي، لا يرتاح لها شعب المستعمرة، ولا تلقى عنده الوقع المستحسن.
وليس غريبا أن نجد علماء غامبيا، ينادون بتغيير وضعيتين معا قبل تحقيق وحدة اقليمهم مع السنغال، وضعيتهم كمستعمرة، ووضعية جارتهم كدولة تخضع للتأثير الأجنبي، ولزعامات منحرفة ..
والسؤال الموضوع الآن هو: ماذا تريد السنغال من وراء انضمام غامبيا إليها؟ أما قادة دكار فيجيبون ببداهة، بأن ذلك يمليه التاريخ والجغرافيا والحيوية الاقتصادية، وأما قادة (ياتورست) فيجيبون من جهتهم بأن الداعي لذلك هو الرغبة في التوسع وفي كسر الشركة التحررية الموجهة إلى الوضع الداخلي في جارتهم، وفي الاستفادة من خيرات بلادهم.
لكن يجب أن ننسى بعض الأشياء الأخرى، فغامبيا على صغرها تحتوي على تجهيزات حيوية اقتصادية مهمة، بما في ذلك شبكة من الطرق المرصوفة ومطار وميناء بحري، وهذه التجهيزات حيوية لاقتصاديات نصف جمهورية السنغال.
أضف إلى ذلك أن ضفاف نهر الغامبيا تضم خيرات هامة من الأراشيد والطروش والغابات وأن المياه الإقليمية تتهافت عليها أسراب الأسماك التي تدخل في صميم الصناعة الغذائية والتجارة الخارجية.
إن من شأن العوامل السابقة أن تجعل مشكلة المستقبل السياسي لغامبيا تطرح بجدية وإلحاح من طرف السنغال، التي تواجهها بحل واحد هو الضم، وتجعلها تطرح من جهة أخرى كقضية يجب أن يؤخذ فيها رأي أصحابها.
إن أخذ الرأي هذا الذي تتشبث به الحكومة الانجليزية، يذكرنا بموقفنا من انضمام شمال الكمرون إلى جمهورية الكمرون أو إلى النيجيريا، فهي تعلم أن هذا الجزء الذي يشتد فيه نفوذ الحزب (اتحاد شعوب الكمرون) المعادي لحكم أجمد احيدجو سوف لا يقبل الانضمام إلى وطنه الأصلي لهذا الاعتبار، غير أن احيدجو، وقد تنبه لعقدة المشكل، فأعلن أنه إذا