إن المجال هنا لا يتسع لتعميق أسباب هذه الفورة العامة ضد حكام. «جمهوريات التفاهم» لأنها كثيرة ومعقدة ولكن يبدو أن هناك بضعة عوامل رئيسية تشترك فيها تلك البلاد جميعا وهذه العوامل هي:
1 - خذلان المعركة التحررية الإفريقية.
2 - الإبقاء على أشكال الارتباط بفرنسا والتامين على مشاريع الاستعمار.
3 - المذهب الديني لرؤساء الدول.
4 - الوقوف في وجه مطامح الشعوب ومقاومة نفوذ زعماء التحرر الأفارقة.
وفوق ذلك فقد كان للنجاحات المتوالية التي حققها الجانب المتحرر، وخاصة تلك التي ظفرت بها شعوب مالي ونيجريا والطوغو، والتيار الجارف المعادي للاستعمار الذي كان يبدو تارة على شكل حرب سافرة كما يقع في الكونغو والجزائر أو شكل تساند واتحاد -كما أسفر عنه اجتماع كوناكري بين الشيخ أحمد توري وقوامي نكرومة وموديبوكيتا من دراسة أسس الدولة الاتحادية التي تشمل هذه الأقطار، أو على شكل مؤتمرات لأقطاب الجانب المتحرر كمؤتمر الدار البيضاء الذي التزم فيه قادة إفريقيا الحقيقيون بالعمل الإيجابي الحاسم، كان لهذه النجاحات أيضا مفعول ملائم وايجابي في الشعوب التي أرغمها حكامها على السير في تيار الاستعمار وفرضوا عليها قادة ربتهم فرنسا تربية خاصة وأرضعتهم لبنها وأعدتهم الكنيسة الكاثوليكية إعدادا نوعيا لقيادة الشعوب المسلمة غرب إفريقيا.
وإذا كان هوفيت بوانييه قد طار إلى باريس في أواسط الشهر الماضي وطالب باستقلال دول الوفاق الكامل، وإذا كانت فرنسا قد اتفقت على أن يكون يوم الخامس من هذا الشهر (فبراير) موعدا لتحقيق هذه الرغبة فإن الدافع الحقيقي لهذا الإلحاح وذلك التساهل هو الخوف من انفجار عام لا تعلم نتائجه، وان كان يعرف اتجاهه ومرماه.
غامبيا أو موريطانيا الجديدة
عاد السيد مامادوديا- أو محمد ضياء-رئيس حكومة السنيغال إلى دكار، بعد زيارة قصيرة إلى لندن اجتمع خلالها برئيس حكومة بريطانيا ووزير خارجيتها، وقد صرح عند وصوله لمطار «اورلي» بفرنسا، بأن المملكة المتحدة تنظر بعين الاعتبار إلى ما تقوم به مجموعة الدول الإفريقية التي اجتمعت في مؤتمر برازفيل، وصرح كذلك بأن محادثاته مع المسؤولين الانجليز، تطرقت إلى المشاكل الإفريقية الكبرى كقضيتي الجزائر والكونغو وإلى المسائل التجارية والاقتصادية بما فيها تنشيط التجارة الخارجية لين الدول الإفريقية والسوق الأوربية المشتركة.
ومن الضروري، أن نذكر بمسألة أساسية، وهي الدافع الحقيقي لزيارة مامادوديا إلى لندن. فرئيس حكومة السنيغال، وضع هدفا واحدا وهو الحصول على موافقة انجلترا على ضم غامبيا إلى بلاده. وأما المواضيع الأخرى فلم تكن تحتل نفس الاهتمام عند الرجل، إلا بقدر ما كانت تشكل عناصر لمساومة الانجليز وفتح شهيتهم للتنازل وحملهم على المطاوعة.
فما هي قضية غامبيا هذه؟ وماذا تحتله من أهمية في نطاق العمل الداخلي والدبلوماسي السنغالي؟ ثم ماذا يحيط بهذه القضية من اعتبارات يمكن أن تشير عند استقصائها إلى التناقض الصارخ في نظرة دكار إلى مسألة المطامح القومية المحدودة عند بعض الشعوب الإفريقية بصفة خاصة؟
إن غامبيا البريطانية بلاد صغيرة لا تزيد مساحتها على سبعة آلاف كلمتر مربع، وهي على صغرها تتكون من مستعمرة، تشمل العاصمة (باتوريست) ونواحيها ومن محمية تشمل المنطقة المتبقية ولا يزيد عدد سكان المجموع على300 ألف نسمة من بينهم أقلية أوربية وجالية من السنيغال وغينيا البرتغالية.
وهذا الشريط الضيق الذي يرتفع عليه العلم البريطاني تحيط به أراضي جمهورية السينيغال من جميع الجهات، ما عدا منفذا ضيقا تطل به المستعمرة على المحيط الأطلسي.
وعلى هذا الاعتبار، فيمكن القول دون تردد بأن غامبيا التي لا تعدو أن تكون عمالة صغيرة من عمالات السنيغال، قطعة لا يمكن تجريدها من الدولة المحيطة بها سيما وأن تاريخها قبل الاحتلال كان تاريخيا مشتركا، كما أن وشيجة الجغرافيا والتماثل الاقتصادي لا يتسع فيها التأويل.