تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مضطر إلى الكفاح للتحرر من نير الماضي وبقايا عهد الاستعمار، وما يعينه على الكفاح للتحرر من قيود الماضي إلى عمل متواصل، لا يعرف الفتور ولا الملل، وما يعينه على حمل أثقال تبعات المستقبل إلا تفكير دائب تنشأ عنه حلول لمستعصيات المشاكل المغربية، وسعي حثيث يتولد منه سعي حثيث إلى إقرار ما صح عليه العزم وانتهى إلى التفكير، كذلك يمكن أن تصاغ نظرية الحركة الذاتية هذه صادرة عن وعي الشباب، واندفاع الشباب وهمة الشباب.

والشباب المغربي -وحده- يستطيع إخراج هذه النظرية من عالم المثل إلى عالم الحس والواقع بما يبذل من تضحيات، وبما يحقق في سعيه الحثيث من مبادئ وأهداف وغايات.

والتضحيات التي ينبغي أن تبذل كثيرة جسيمة، وهي -مهما كانت جسامتها- يسيرة هينة على الشباب، ولا أريد هاهنا أن أعدد هذه التضحيات فكل يضحي على قدر همته في سبيل بناء أمته، وإنما أريد أن أتحدث عن نوع واحد من التضحيات في حقل الكفاح للتحرر من قيود الماضي .. هذا النوع المشترك من التضحيات بين همم الشباب ضروري لبناء مستقبل الأمة سليما مكينا، وينبغي أن يتكاثف الشباب جميعا لتحقيقه .. إنه التضحية والكفاح في سبيل تعلم اللغة العربية وتعليمها ... وفهمها وتفهيمها .. وجعلها لغة الإدارة والديوان والحديث والعلم.

وتسألني عن وجه التضحية والكفاح في سبيل تعلم اللغة العربية وتعليمها؟

فأشير إلى أن المثقف المغربي بلغة أجنبية يصعب عليه الحديث بغيرها وهو لذلك يحس في نفسه ضيقا وانقباضا عند إرادة التعبير عن معان ربما لا تسعفه لغته العربية في التعبير عنها .. ووجه التضحية هاهنا أن تجهد نفسك وتتحمل بعض الضيق -وأنت العربي أما وأبا ووطنا- فتكلف نفسك قراءة بعض ما يكتبه إخوانك الشباب العرب بلغة بينة سليمة من الأخطاء، في أيام معلومة من أيامك، وعلى دفعات متتالية منتظمة، بقراءة الصحيفة أو الصحيفتين، متحملا بذلك مشقة القراءة ولا أقول الفهم إذ أن كل ما يقرأ على أي مغربي من العربية الحديثة مفهوم لديه، فإذا مرت بك الأيام والأشهر على هذا النحو لا تلبث أن تحس بأن الضيق الذي يعتريك عند إرادة التعبير عن معانيك بدأ يزول من ساحة تعبيرك شيئا فشيئا حتى يغيب ... فإذا حصل لك ذلك، كان هذا منك تضحية ببعض الوقت، ولكنه وقت أنفقته لتجني به ربحا لوطنك، ولتربح به نفسك، إذ أن بلادك عربية ومستقبلها مع اللغة العربية، ولأن المثقف ثقافة أجنبية ملك لتلك الثقافة حتى يحسن لغة أمته فيعود ملكا لأمته ... إنك بهذا العمل تهدي لأمتك عنصرا من عناصر وجودها أقدر على الحياة في ظلها، وأنفع ما يكون لأمته وهو يتقن لغتها- على أن قسطا من هذا النفع في الواقع قد يكون حاصلا إذا كان لا يتقن لغتها، ولكن على أضيق مدى، وضمن بعض الشروط ... فإذا عبرت بالعربية عن معانيك، وبدأت الكتابة بها تحس من نفسك ميلا إلى الإلمام ببعض قواعد التعبير الصحيح فيها ... ولن أنصح لك هذه المرة إلا بالقراءة والقراءة الكثيرة، والتدرج في المطالعة من السهل إلى الصعب، ثم الإلمام ببعض قواعد العربية البسيطة كرفع الفاعل والمبتدأ ونصب المفعول به والحال .. مما تمكن الإحاطة به كله في بضعة أسابيع ..

هذا وجه من وجوه التضحية، وهنالك وجه آخر من وجوه الكفاح تطلبه الأمة منك وممن علم علمك كيفما يجتهد ليعلم غيره ما علم بالوسيلة التي يراها ناجعة بعد التجريب .. وليس هذا الذي أقترحه ها هنا هو الطريقة المثلى في هذا الباب بل ربما كانت هنالك طرق أخرى أكثر نفعا وأسرع فائدة في التعلم والتعليم ننتظر من إخواننا الذين سلكوها وعزموا عليها وعرفوا نفعها وفائدتها أن يطلعوا الشباب عليها مشكورين.

وفي خلال اطلاع المثقف ثقافة أجنبية على اللغة العربية وتراثها تتكون عنده ثروة فكرية إنسانية هي حصيلة ثقافته الأجنبية ممزوجة بلقاح من الفكر العربي وعندها تحس همته الشابة أن عليه أن يتولى حمل أثقال تبعات المستقبل ... وهنا كما في ذلك المكان الآخر من هذه المقالة لن أتولى أثقال وتبعات المستقبل بالكيل أو التعداد وإنما أشير إلى واحد من هذه الأثقال (وليكن أكثرها ثقلا) وإلى إحدى تلك التبعات (ولتكن أكثرها خطورة) وربما كانت مفتاح مشاكل المستقبل في مغربنا الحبيب:

إننا نعيش في أمة لها تاريخها، ومجدها، وأهدافها، وآمالها، ومبادئها، ولكنها مرت عليها فترة نسيت تاريخها، وأضاعت مجدها، وغفلت عن أهدافها ونامت عن آمالها، وتجاوزت على مبادئها .. لا نكلف الآن أنفسنا عناء السؤال عن الأسباب، فليس ذلك من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٧٧