تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد اغتنم الأعداء فرصة هذه الفتنة الأهلية فاحتلوا بعض شواطئ المغرب داخل البلاد على حساب ضعف المغاربة وتخاذلهم، إلا أن العناية الإلهية هيأت للشعب المغربي من ينقده أيضا من رجال الدين، وجال السياسة معا، وتلك سنة الله في هذه البلاد لا تختلف، فتكونت إمارات صغيرة غايتها الدفاع عن المغرب وحماية شواطئه، ووقفت في وجه العدو موقفا شديدا حتى أصبحت هذه الدول التي كان لها حب السيطرة وحب التوسع تتوقف عن سيرها، فدولة البرتغال أصبحت تحاول الاحتفاظ على ما ملكته من قبل ودولة تركيا هي الأخرى أصبحت لا تفكر إلا في القضاء على الثورات في ممتلكاتها.

ولما استقر في البلاد وتمركز نفوذ الأمراء، وأصبح كل واحد منهم يخطو خطوته وينظم إمارته، سرعان ما دب الخلاف بين هؤلاء، وضعف أمر الدولة مرة أخرى وأصبحت البلاد أشبه بحال ملوك الطوائف الذي قال فيه ابن الخطيب:

حتى إذا سلك الخلافة انتثر

قام بكل بقعة مليك

وذهب العين جميعا والأثر

وصاح فوق كل غصن ديكولكن ذلك سيتم في برج مطلعه، وسيخف صيته بفور الاستهلال، وتظهر الدولة العلوية الشريفة بحنكتها وبقيادتها، فتخضع البلاد كلها لسيطرتها، وتستولي على المدن الساحلية التي كانت في قبضة الإنجليز والاسبان والبرتغال إلا مدينة سبتة ومليلية اللتين ما زالتا لحد الآن في قبضة الاسبان.

هذه بعض المشاكل التي كان يعانيها المغرب في أوائل هذا القرن، وهي قصة طويلة إذا أردنا نحن أن نستقصي آثارها، والمهم الآن هنا هو لفت النظر إلى أن هذه الحوادث جميعها من احتلال الشواطئ المغربية، وتكوين إمارات كانت مستقلة وغير مستقلة فإن كل ذلك أمكن بكثير في إنشاء علاقات مع جميع الدول الكبرى، بمعنى أن سلاطين المغرب ورؤساء الإمارات في أوائل هذا القرن بذلوا جهودا لا بأس بها في هذا السبيل إلا أن ذلك سيظهر جليا وعظيما في عهد الملكين العظيمين المولى الرشيد ومولاي إسماعيل السلطان العظيم.

والواقع أن أهم العلاقات الديبلوماسية التي أبرمها المغرب خلال هذا القرن هي إما مجرد معاهدات صداقة وتجارة، أو اتفاقات أبرمت لتسوية بعض المشاكل تتعلق مثلا بالتمثيل الديبلوماسي واستيطان الرعايا الأجانب وخصوصا تحرير الأسارى، من ذلك أن في هذا القرن وما بعده كانت القرصنة المغربية لا تفتأ تغير على المراكب الأجنبية وكذا هذه على المراكب المغربية وكان الحل الوحيد في تصفية هذا المشكل هو عقد الصلح بينهما أو تفادي الأسارى إلى غير ذلك.

لنبدأ الحديث أولا عن علاقة السلطان مولاي رشيد مع الدول الأجنبية فنقول أن الأدلة على ما كان بينه وبين عظماء ملوك الدول الأجنبية ألم بكثير منها مؤرخ فرنسا الشهير (دوكاستري) وخصوصا مع بعض الدول الأوربية مثل انجلترا وفرنسا، فالأولى تبدأ معها العلاقات يوم أن احتلت مدينة طنجة، ومن المعلوم أن هذه المدينة كانت أولا تابعة للبرتغال، ولما تزوج الملك الإنجليزي (شارل الثاني) بالأميرة البرتغالية (انفانتا كاتري) وهبت له مدينة طنجة كجزء ما بائنتها، وظلت تابعة لإنجلترا مدة 22 سنة أثناءها كانت حركة الاتصال قوية بين إنجلترا والمغرب وساعدت هذه الحركة على توثيق العلاقات توثيقا أعظم من ذي قبل.

وفي سنة 1680 وجه ملك الإنجليز (كارلوس) سفيرا للمغرب اسمه (هاري هوارس) وذلك ليهنئ السلطان بالانتصار، ومعه هدايا فاخرة منها ستة مدافع نحاسية وعدة رماح.

وجولة فرنسا هي الأخرى راسلت ملك المغرب وأنشأت معه علاقات تجارية وغيرها، وقد أثبنا في الأصل نقلا عن كتاب (الاتحاف) لابن زيدان رسالة كتبها السفير الفرنسي القبطان (رولان أفرجس) إلى السلطان يطلب منه الإذن ببناء محل للتجارة بنواحي وادي أنكور، وإليك ما كتب: «إلى الشريف العظيم القوي مولاي رشيد حرسه الله لما كان سبب مجيئي لهذه البلاد مهما جدا ومفيدا لدولتكم، اطلب من جلالتكم لي في القدوم على أعتابكم، وان تسمحوا لي باللقاء بكم لا تشرف بشرح أسباب مجيئي لأبالتكم ولأسلم لكم كتابا من ملك فرنسا من مرسى البوريخ 15 أبريل عام 1666م».

ويقال أن الملك مولاي رشيد قابله مقابلة حسنة حيث أعطاه ستين بعيرا لحمل أثقاله وذلكم تنمية للروابط بين الدولتين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٧٤