تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الماء فيجعله نارا، ويثير نسيم الصبا فيغادرها إعصارا ... ولكن هذه الصيحة لا تعني إلا الدعوة للثورة على الظلم والاستبعاد، وتمزق ذلك السكون الذليل الذي خيم على أرجاء العالم الإسلامي في الجملة، وإن كانت تحمل روحا جديدا منبعثا من أعماق شخص قد استشعرت أعماقه ءالام العالم الإسلامي على نحو فريد، وأدركت النكبة التي سيصير إليها. إلا أن العالم الإسلامي ليس في حاجة إلى من يثيره فقط، لأن أدوار البطولات الانفرادية لا تكفي في حل المشكلة الاجتماعية التي تتفرع عنها جميع المشاكل الأخرى، بل إنه في حاجة إلى من يحدد له الأهداف بوضوح والوسائل الفعالة للوصول لتلك الأهداف، وتمكينه من كيفية استخدام تلك الوسائل على نحو منتج. وفي رسم معالم الطريقة للإصلاح، أدلى المصلحون المحدثون بآراء مختلفة، وأن اتفقوا على الغاية وهي تحرير العالم الإسلامي وإنقاذه من الهاوية، ووجوب عودته إلى الإسلام. ولنعترض هنا فقط لفكرة جمال الدين في عمومها باعتباره أستاذا للإمام محمد عبده.

إن جمال الدين يرى أن الوحدة الدينية هي الأساس الحق لكل نهضة سياسية، بل بمثابة الروح في الجسد. ولا خير في تقدم لا يبنى على قرآننا وديننا. وبدون دين لا نستطيع أن نتخلص من السيطرة الاستعمارية. ويرى جمال الدين أن أوربا نهضت بسبب الحركة الدينية التي قامت على يد المصلح البروتستانتي لوثر، وإن كان أستاذنا مالك يعزو أصل الحضارة الأوربية إلى عهود المسيحية على أيام شرلمان الذي كان يناصر الدين المسيحي.

وما يصرح به جمال الدين هو الذي كان يدعو إليه غاندي بكل قوة وإلحاح أن الحضارة الغربية شر خبيث لأنها تعبد المادة والآلة. إنه يقول: ولكننا أيضا في حاجة إلى الضوء الثابت المستقر، ضوء الإيمان الديني. ويرى طاغور نفس الرأي، وإن كان قد عرف بمشايعته أو بنوع من التفاهم مع الحضارة الغربية بعكس غاندي كما يشارك جمال الدين في رأيه الأمير شكيب أرسلان الذي يسفه آراء بعض الشباب الذين يظنون عن جهل وسطحية أن أوربا أسست مدنيتها على الإلحاد. وقد ضعفت أوربا اليوم بسبب ضعف عقائدها الدينية. وهذا الرأي هو الذي توصل إليه أخيرا العلامة الإنجليزي المؤرخ تويمبي، فقد كان لا يعترف بقيمة الدين في تكوين الحضارات، ولهذا لم يعره الاهتمام اللائق في كتاباته السابقة، غير أنه أصبح اليوم يعتقد أن للدين القيمة الأساسية في تكوين الحضارات، وأن الحضارة الأوربية ستنهار إن لم تعتمد على دين يمكنها من الوسائل لحل مشاكلها المتزايدة. ولكن الدين الذي يريده جمال الدين للمسلمين هو دين السلف الذي لم تلوثه وثنية المنحرفين، ولم تفسده عقائد مثبطة بثها المفسدون وضعاف العقول في ثنايا الثقافة الإسلامية. فإذن لابد من تنقية هذه الثقافة مما علق بها من ميكروبات تنحرف بها عن أهدافها وتبث في طريقها العراقل وتقلل قيمتها في العلاقات الاجتماعية وفي العلاقات بين الأرض والسماء. ويرى أن الأسباب الآتية كفيلة بحفظ الدولة: الاتحاد وعدم الركون إلى الأجانب وإسناد الوظائف لهم، والتعاون والقيام بالواجب المفروض على كل فرد، وعدم الاستبداد بالرأي، والإعداد المادي لمواجهة الأخطار، وإعطاء الحقوق لأهلها، ووضع أمور الدولة من وظائف مختلفة في يد كفء لها صالح للقيام بها. وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من انحطاطات إلا بمخالفة تلك المبادئ وتغيير تلك القيم، استجابة لشهوات في نفوسهم، ولانحرافات في غرائزهم، ضاربين بمصالح الأمة العليا لجج البحر، لا يهمهم إلا الحصول على لذائذهم المادية الحاضرة، وإن أودت بمستقبل الأمة وأسلمتها إلى الهلاك والفناء. ولسنا في حاجة إلى لفت النظر إلى أن تلك الأسباب كلها أو بعضها ما تزال قائمة في بعض أطراف العالم الإسلامي: «ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» لكن تطبيق هذه المبادئ يحتاج إلى مجهود كبير، وإلى تعب متواصل، لأن الوصول إلى القمم دونه العقبات والأخطار. ولكن على كل حال هناك في القمم توجد السلامة والراحة والرقي. (ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر).

فالشجاعة شرط أساسي لتندفع الأمة غير مبالية بالأخطار نحو تحقيق أهدافها ومثلها.

يرى أستاذنا الدكتور محمود قاسم أن جمال الدين كان يضع حلولا ساذجة لمشاكل ضخمة وإن كان لم يوضح هذه الفكرة بحيث نقتنع بها. ونستطيع أن نخلص طريقة جمال الدين في الإصلاح بأنه كان يريد تجديد الأمة بإصلاح الدولة، بإصلاح النظام السياسي، ولذلك نراه يدعو الشعوب للثورة على الملوك المستبدين ويهددهم ويصارحهم ولو كانوا غرباء، كما حدث له مع قيصر روسيا، ويطالبهم بأن يعطوا الحقوق السياسية للشعب ليتاح له أن يشارك في حكم نفسه عن طريق الحكومة الديمقراطية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٣٠