تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع4 /يناير 1961 .................... ص 7

منهاج محمد عبده في الإصلاح الإسلامي

للأستاذ: عبد السلام الهراس

إن الحديث عن منهاج الإمام محمد عبده في الإصلاح يتطلب مجلدات. فالرجل كان أمة وحده. وعندما يعيش الإنسان معه ومع أفكاره ونشاطه يظن أن الإمام كان يستخرج من يومه أياما ويمطط وقته ليجعل منه أوقاتا ليستطيع أن يسع مجهوداته الجبارة.

وقد كنت أحاول أن أتناول أفكاره بكثير من التوسع، خصوصا وهي ما تزال تحتفظ بقيمتها في كثير من نواحيها في عصرنا الحاضر، وكأنه يتحدث عن مشاكلنا التي نعيشها في المغرب وفي العالم الإسلامي، على الرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على حياتنا العامة والخاصة. كنت أحاول وأرجو ذلك الآن، غير أني لضيق الوقت سأؤجل تلك المحاولة وأحقق ذلك الرجاء في فرصة أوسع من هذه، ولكن هذا لا يمنعني من أن أتحدث عن منهاجه في خطوطه العامة.

إن ظروف العالم الإسلامي التي كان يعيشها أيام محمد عبده كانت ظروفا قاتمة في جميع جوانبها، فقد كان المسلمون يؤدون عن يد وهم صاغرون جزية تلك السلسلة من الأمراض الاجتماعية النفسية الكثيرة التي تحدرت إليهم من القرون السالفة. وكانت الدول الاستعمارية تتداعى فيما بينها لتقسيم تركة «الرجل المريض» كما كانوا يطلقون على الدولة العثمانية، وتتخذ مختلف الوسائل لتتميم رسالة أجدادها الصليبيين الذين تركت مغامراتهم الوحشية أقدس الآثار في نفوس أجيالهم الجدد.

وكانت مصر أحد الأقطار الإسلامية التي نالت نصيبها الوافر من تلك التركة الإسلامية المسلولة، وكانت تعيش كباقي الأقطار الأخرى كما يقول السيد رشيد رضى: في ظلمات بحر من الظلم لجى، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة الجور والظلم، وظلمة الفقروالفاقة، وظلمة الشرور وفساد الأخلاق والآداب، وظلمة تحكم الأجانب وسيطرتهم على الحكومة.

وفي هذه الأثناء التي كانت عوامل الهدم تعتور الكيان الإسلامي بقسوة بالغة، والمؤامرات الاستعمارية، تمزق بأنيابها الطويلة الحادة الوطن الإسلامي الكبير الذي تساقطت أجزاؤه في قبضة الصليبيين الجدد، في هذه الأثناء، انطلقت صرخة الإنذار والبعث من جمال الدين الأفغاني، فكانت أشد ما تكون قوة وحماسة، وكأنها استجمعت بقايا قوى الإيمان المبعثرة هناك لتفجر في نفوس المسلمين طاقاتهم التحررية من ربقة العبودية البشرية. انطلقت تلك الصرخة توقظ المسلمين من غطيطهم، وتبصرهم بالأخطار التي شملت نواحي حياتهم، وتهيب بهم أن يقاوموا الاستبداد والاستعمار. وكانت لهذه الصرخة أجنحة البرق، فانتشرت في العالم الإسلامي انتشار أضواء الشمس في الظلام، وأزعجت الاستعمار الإنجليزي أيما إزعاج، وكان لها أقوى استجابة في مصر. وكان محمد عبده عنوان تلك الاستجابة، وحامل لواء الرسالة من أجل انتشال العالم الإسلامي من عهود العبودية والغرور. وقف جمال الدين الأفغاني مشرفا على العالم الإسلامي وهو يصيح في أبنائه هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكوتكم، انفضوا غبار الغباوة والخمول، عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء، إلى غير ذلك مما من شأنه - كما قال السيد رشيد رضى - أن يحرك

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٢٩