تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبترجمة كتب أرسطو في «الخطابة» و «الشعر» أخذت تظهر مادة جديدة في النقد مادة فلسفية يونانية لا عهد للعرب بها حاول قدامة بن جعفر تطبيقها على الشعر والنثر بل حاول إخضاع الأدب العربي للعقل الفلسفي اليوناني. فقد بدأ كتابه «نقد الشعر» بتعريف الشعر وأن فيه الجيد والرديء والوسط وتحدث عن المعاني وانها معرضة للشاعر والمطلوب منه هو أن يبلغ الجودة واقتصر في أقسامها على المديح والهجاء والنسيب والمراثي محاولا أن يردها جميعا إلى المديح والهجاء وذكر عناصرها وهي أرٍبعة اللفظ والوزن والقافية والمعنى ثم تحدث عن محسنات الشعر في مفرداته ومركباته وأخيرا أخذ في ذكر عيوب كل منهما والملاحظ أنه يعود بالجودة والرداءة إلى الشعر نفسه دون الذوق ولعل السبب في ذلك أنه قصد إلى قواعد ثابتة ولئن استطاع قدامة أن يبوب ويرتب وينظم ويحدد ويضع للنقد العربي اصولا ومعايير يقاس بها الشعر من حيث الجودة والرداءة متأثرا في ذلك بالطريقة اليونانية فقد أحاله إلى جفاف أفقده روحه الأدبية وخرج به من دائرة الفن إلى دائرة المباحث العلمية الفلسفية بعد أن أغفل المنهج الفني والمناهج الأدبية الأخرى. وفي كتابه الثاني: «نقد النثر» ويظن أنه ليس له وإنما هو لأحد معاصريه تظهر نفس الطريقة ونفس الغاية التي رأيناها في «نقد الشعر» فهو يحاول اخضاعه لمعايير اليونانيين مضيفا إليها ما ثقفه من علوم عربية إسلامية لهذا فكتابا قدامة لم يكن لهما تأثير يذكر في النقد فاصطلاحاتهما التعليمية وتقاسيمهما الشكلية لم تؤثر في النقاد بقدر ما أثرت في علماء البلاغة الذين استفادوا من تحديده لبعض الظواهر. ولا نغلو بعد هذا إذا قلنا أن هذين الكتابين ينذران بجمود المصطلحات البلاغية وتحجرها فهما أبعد ما يكونان عن النقد وأقرب إلى البلاغة.

وتقوم الخصومة حول البحتري وأبي تمام فهذا يسرف في تطبيق ألوان البديع، ويعمق معانيه متأثرا بثقافته الفلسفية الواسعة وذاك يسير على نهج القدماء وتقاليدهم متأثرا بمذهب البديع ولكن في حدود، ودون أن يأخذ من الفلسفة اليونانية والثقافة الحديثة الواسعة، فالمجددون يقفون في صف أبي تمام لغزارة معانيه والمحافظون يقفون في صف البحتري لاتصاله كما يقولون: «بعمود الشعر» وبينهما معتدلون مترددون بين الطرفين فقد كتب ابن المعتز في بداية الجدال رسالة في محاسن شعر أبي تمام ومساوئه وقف فيها على مواطن الجودة والرداءة عند أبي تمام ناظرا في معانيه واستعاراته وصور بديعه وكتب أحمد بن أبي طاهر المنجد رسالة في سرقاته وكتب أحمد بن عمار رسالة كلها طعن وقدح لا يقر له فيها بفضل أو حق. ولم يسكت أنصار أبي تمام فكتب بشر بن تميم يقدح في البحتري ويكشف عن سرقاته وكتب الصولي كتابه: «أخبار أبي تمام» يدافع عنه في تعصب ظاهر. ولا نصل إلى أواسط القرن الرابع حتى نجد أبا القاسم الحسن بن يحيى الآمدي يقف بين الطرفين ليقارن قصيدتين في موضوع واحد وروى واحد ثم ينص على أيهما أجود من غير أن ينظر في العناصر الأدبية كالعاطفة والخيال والأسلوب. ولئن كان الصولي يتعصب لأبي تمام فالآمدي يفضل البحتري ولكن في تستر وخفاء فهو في كتابه «الموازنة بين الطائيين» يبدو بعيدا عن الخصومة يتناولها ويجمع عناصرها ويدرسها في يقظة وحذر لا يطلق حكما ولا يفضل جملة وإنما ينظر إلى الجزئيات والتفاصيل فقد يفوق البحتري أبا تمام في باب من أبواب الشعر وقد يفوق أبو تمام في غير هذا الباب. فهو إذن لا يتحيز ولا يتعصب يقلب المحاسن والمساوئ عن غير هوى سالكا منهجا علميا سليما ويحقق النصوص وينظر في صحة نسبتها على طريقة ابن سلام وهو في موازنته لا يروي أحكام السابقين ولا يتأثر بآراء الذين كتبوا في الخصومة أيام عنفها وتعصبوا لهذا الشاعر أو ذاك وإنما هو ينظر فيما كتبوه وفي ديوان الشاعرين ويفحص كل ذلك ليقبل ما يراه صوابا ويعيد النظر فيما يراه خطأ وكأنه في هذه الخصومة حكم يعالجها معالجة محقق خبير عادل يمهد لدراسة الظواهر ويفسرها باحثا عن عللها كما يبدو من دراسته لسرقات أبي تمام والبحتري وفي رأيه أن سرقات المعاني ليست من كبير مساوئ الشعراء. ومن السرقات ينتقل إلى الحديث عن أخطاء الشاعرين وعيوبهما ومحاسنهما ثم ينتقل إلى مقارنة تفصيلية بينهما متتبعا معانيهما واحدا واحدا. والآمدي في موازنته لا يعتمد على ثقافته ومعلوماته فحسب وإنما يعتمد كذلك على ذوقه وإحساس نفسه التي كثيرا ما يعود إليها «يستجلي حقائقها فيتخذها سبيلا للحكم على إصابة الشاعر أو عدم إصابته» وقد كان عارفا بحكمة الفرس وفلسفة اليونان ولكنه لم يتأثر بهما فقد كان ذوقه عربيا سليما ونظرته واسعة صادقة وقد تأثر بابن المعتز فيما يختص بالبديع مما جعله عنصرا هاما في نقده. ثم أن الآمدي لم يقصد من دراسته مفاضلة بين الشاعرين فحسب يحكم فيها لهذا أو ذاك وإنما قصد دراسة علمية مقارنة ناقش فيها أكثر من قول

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٧٨