تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تؤخذ بعض الأوصاف التي نعت به الشعر المطبوع وخلطه بين أن يكون الشاعر مطبوعا وأن يكون قادرا على الارتجال وقول البداهة وهذا لا يمكن أن يكون مقياسا لصدق الشعور وهو أكثر دلالة على قدرة الشاعر على النظم. وهو يقرر ضرورة النظر إلى النص نظرة موضوعية لا تتأثر بقائله ومنزلته أو أي اعتبارات أخرى تعتمد على الذوق الشخصي. فالنظرة عنده يجب أن تكون مجردة لا تتأثر بالغير وهذه نزعة تجديدية ترمي إلى تحرير النقد من أسباب التقليد.

كما أنه تنبه إلى حالة الشاعر النفسية وأثرها في شعره والعوامل التي قد تعوق الشاعر المطبوع. والملاحظ بعد هذا على ابن قتيبة في كتابه أنه لم يأخذ بفكرة الطبقات وتقسيمات ابن سلام وكأنه لم يكن مطمئنا إلى تلك الأحكام الأدبية التي كانت سائدة في عصره ولم يكن مومنا بمقاييسها ليتخذها مبدأ يخضع له ولكنه في نفس الوقت لم يستبدلها بأخرى يصدر فيها عن «حكم استقراه من طبيعة الشعر القديم والحديث ونسبة الجودة في كل منهما أو قربهما من مثل أعلى في الشعر» وإنما كان يعتمد في كثير من الأحيان على رأيه المستقل ونظرته المجردة وقلما اعتمد على ذوقه وكأنه كان يغلب تفكيره على حسه. وإذن فابن قتيبة لم يسر في اتجاه ابن سلام ولم يأخذ بفكرة الطبقات ولا بفكرة المكان والزمان كما أنه لم يسر في اتجاه جديد يصدر فيه عن منهج في التأليف ولا غرابة فكتابه كما يقول تاريخ «للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو وفي كتاب الله» فابن قتيبة لم ينظر في الأشعار لينقدها ويحللها وإنما أوردها بعد أخبار شعرائها وقصصهم دون محاولة لمناقشتها ونقدها. وقد نجد عنده بعض الأحكام التقليدية فقد تحدث عن مآخذ العلماء على الشعراء وعن السرقات الشعرية وعن أقسام الشعر وطبيعته وأشكاله وألفاظه.

ثم جاء المعتز بعد هذا يدافع في «البديع» عن القدماء ويحبط زعم المحدثين الذين ادعوا التجديد في الشعر واختراع المحسنات البديعية. فالبديع كان موجودا في أشعار الجاهلية وصدر الإسلام «ولكنه كان مفرقا يأتي عفوا» فجاء بشار وأبو تمام من بعدهما فقصدوا إليه. وقد كانت الظاهرة السائدة عند هؤلاء أن يأتوا بأفكار قديمة في صياغة جديدة فأبو تمام حاول أن يجدد ولكنه لم يستطع أن يحيد عن نهج سابقيه وتقاليدهم الشعرية وأبو تمام وإن كان له فضل كبير على هذا المذهب بأن جعله عاما بعد أن غير فيه كثيرا فهو ليس صاحبه الأول فقد سبقه إليه مسلم ابن الوليد وأبو نواس وقبلهما بشار بن برد. وقد تحدث في كتابه عن الاستعارة وإنها أمر أصيل في الشعر صدر الشعراء عنها بالفطرة وعن طرق الأداء التي تتعلق بشكله دون المساس بجوهره وهي التجنيس والطباق ورد العجز على الصدر وتحدث عن المذهب الكلامي وهو نوع من الجدل العقلي والقدرة على توليد المعاني ثم ذكر بعد هذه الفنون التي اختصها باسم البديع بعض محاسن الكلام والشعر وجعلها ثلاثة عشر بابا هي الالتفات، والاعتراض، والرجوع، وحسن التضمين والتعريض، والكفاية، والإفراط في الصفة، وحسن الخروج، وتأكيد المدح، وتجاهل العارف والهزل الذي يراد به الجد وحسن التشبيه ولزوم مالا يلزم وحسن الابتداء. والظاهر أنه فصل القسم الأول عن الثاني لأنه أكثر ورودا في الشعر والكلام. واذن فابن المعتز في «البديع» قد حدد خصائص مذهب البديع وصاغ مبادئه مما جعله يؤثر في الناقدين بعده أمثال الصولي والجرجاني. ولعل هذه أول محاولة للبحث عن خصائص مذهب أدبي وبسط اصطلاحاته وهو بهذا قد «ساعد على خلق النقد المنهجي» وابن المعتز وان ادعى أنه لم يسبقه إلى عمله أحد قد تأثر بأٍرسطو في التوجيه العام وطريقة تحليل الظواهر دون أن يستبعده هذا التأثر ويفسد نظرته ويبعده عن الحقائق فقد بذل جهدا في البحث عن تلك الألوان البيانية واستخلاص الأمثلة من شعر الجاهليين والإسلاميين ومن القرآن الكريم وحديث الرسول. وقد يرد على هذا بأن كتاب «الخطابة» لأرسطو لم يترجمه حنين بن اسحق إلا سنة 296 مع أن ابن المعتز قد ألف كتابه سنة 274 ولكنه لا يبعد أن يكون العرب قد عرفوه قبل هذه الترجمة ففي «الفهرست» لابن النديم ما يفيد أن كتاب: «الخطابة» نقل قبل حنين وأن النقلة القدماء كانوا أيام البرامكة فيكون الكتاب قد نقل كما عند الأستاذ أمين الخولي في منتصف القرن الثاني أو على الأكثر في أواخره وبكتاب «البديع» انتقل النقد العربي من تحليل المعاني والأفكار والإشادة بقوتها وفخامتها إلى العناية بالصورة ودراسة الشكل، ويعد من جهة أخرى أول كتاب في البلاغة العربية التي سنرى بعد سطور كيف تجمدت موضوعاتها عند أبي هلال وتحددت فيما بعده وصارت ثلاثة علوم هي المعاني والبيان والبديع.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٧٧