تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يحتفل شعراء المشرق وحدهم بالنيروز، فهذا ابن شهيد الشاعر الأندلسي يتغنى هو أيضا بالعيد الفارسي، على بعد الديار ومشقة المزار، في قصيدة يمدح بها المستعين بالله:

وأتاك بالنيروز شوق حافز

وتطلع للزور غب تطلع

وأفاك في زمن عجيب مونق

وأتاك في زهر كريم ممتع

فانظر إلى حسن الربيع وقد جلت

عن ثوب نور للربيع مجزع

فكأن نرجسها وقد حشدت به

زهر النجوم تقاربت في مطلع

ولحلول فصل الربيع في شكله الضاحك، المزدان بالألوان المختلفة، قصة، وهي قصة بسيطة يعرفها كل أحد، قصة المطر الذي يحيي الأرض بعد موتها ويكسوها ثوبا جديدا، وقد استطاع الشاعر الأندلسي عبد المالك ابن نفيل أن يصور لنا هذه القصة المعروفة المبتذلة في أبيات اكتسبها طرافة وجاذبية:

أنظر إلى حسن الزمان كأنما

يلقاك عن بشر لوجهك مبشر

بكت السماء على الربا فتبسمت

منها ثغور عن عقائل جوهر

أهدى الربيع إليه سكب سمائه

فكسا الثرى من كل لون أزهر

ضحكت متون الأرض عند بكائه

عن أبيض يقق يروق وأصفر

وكذاك لم تكشف سريرة روضة

يوما بأفصح من غمام ممطر

غيث أرانا كل نور ضاحكا

متطلعا منها بنور أنور

متبختر في مشيه فكأنه

ثان لها عطفا وكاسر محجر

وكأنما زهر الرياض كواكب

حسرت لنا عن كل أزهر مقمر

تلك بعض النماذج الشعرية التي تبين لنا كيف كان شعراؤنا الأقدمون يستقبلون الربيع ويهتزون لعودة الطبيعة إلى شبابها ويطربون لرؤية الأزهار ذات الألوان المختلفة.

تقاليد احتفظت بنوع من الجدة

هذه الطريقة في الاستقبال والترحيب لم تفقد جدتها ولم ينفض منها شعراء هذا العصر يدهم، بحيث أننا لا نجد كبير فرق بين ما نظمه شعراؤنا عن الربيع في عهد العباسيين وما جادت به قريحة أحفادهم في القرن العشرين، فهذا شوقي لا يختلف كثيرا عن ابن زيدون أو ابن المعتز حين يقول في أبياته المشهورة:

مرحبا بالربيع في ريعانه

وبأنواره وطيب زمانه

رفت الأرض في مواكب آذا

ر وشب الزمان في مهرجانه

نزل السهل ضاحك البشر يمشي

فيه مشي الأمير في بستانه

عاد حليا براحتيه ووشيا

طول أنهاره وعرض جنانه

لف في طيلسانه طرر الأر

ض فطاب الأديم من طيلسانه

وزيادة في تحقيق هذه الملاحظة وتمحيصها نحيل القارئ على قصائد أخرى لشوقي مثل «الربيع ووادي النيل» وقصيدته التي يصف فيها مشاهد الطبيعة وهو في طريقه إلى الاستانة والتي مطلعها:

تلك الطبيعة قف بنا يا ساري

حتى أريك بديع صنع الباري

وكذلك الشأن عند ما نلقي نظرة على قصيدة الرصافي «وقفة في روض» والتي يقول فيها:

ناح الحمام وغرد الشحرور

هذا به شجن وذا مسرور

في روضة يشجى المشوق ترقرق

للماء في جنباتها وخرير

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٥٨