تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاستعمار يتزيا بزي جديد في الكونغو

لقد استعاد شعب الكونغو استقلاله يوم فاتح يوليوز الماضي بفضل كفاحه ومؤازرة الشعوب الإفريقية له، ووقوفها إلى جانبه في نضاله، ويوم التحق بركب الدول المتحررة، غمرت الفرحة قلوب جميع الأفارقة، وقويت آمالهم بتحرر الأقطار التي ما تزال مستعمرة بقارتهم، ولكن لم تكد تمر أيام قلائل على هذا الحادث حتى لاحت في الأفق بوادر سيئة فقد وجدت حكومة الكونغو نفسها أمام مشاكل ومصاعب متنوعة متعددة، ناتجة عن الفراغ الذي تعمد الاستعمار خلقه في كل ميدان، كما وجدت نفسها أمام مكايد ومؤامرات تهدد كيان الكونغو نفسه، وتشكل خطرا على استقلاله الوليد، لأن الاستعمار التقليدي المبني على الحكم المباشر والسيطرة الكاملة -وقد عرفناه جميعا- أبى، بعد هزيمته، أن يسلم بها ويعترف بالأمر الواقع، وأصر على أن يجعل من الكونغو حقلا تجريبيا لاستعمار جديد شر منه، فعمد إلى وسيلة ماكرة لفرض نفسه وتوطيد أركانه مرة أخرى، بتجزئة البلاد وأضعاف سكانها، وخلق حركات انفصالية فيها وتشجيعها، وإقامة حكومة صنيعة تعيد الاستعماريين، وتمكنهم من مقاليد الأمور، وتمنحهم من الامتيازات الاقتصادية والعسكرية والسياسية تحت ستار الحرية والاستقلال أكثر مما كانوا يتمتعون به من قبل باسم الغزو والاستعمار.

ولقد كانت استغاثة حكومة الكونغو بمنظمة الأمم المتحدة يوم سابع يوليوز خطة قويمة، وسياسة رشيدة، استحسانها لاعتقادها أن تلك المنظمة هي الهيئة الجديرة بحل مشاكل من النوع القاتم بين الكونغو ومستعمريه السابقين، وأملنا أن يكون حلها لها سابقة حسنة، وتجربة مشجعة يستفاد منها في حل ما بقي من نظم الاستعمار، وتطلعنا إلى أن تقوم الأمم المتحدة في تحرير ما بقي مستعمرا من إفريقيا بدور قيادي في مستوى الآمال التي تعلقها البشرية عليها، وطبق رسالتها السامية التي هي حبل النجاة في عالم كثير الاضطراب.

مبادرتنا إلى نجدة الكونغو

ولما وصلتنا دعوة رئيس الحكومة الكونغولية السيد لومومبا، ثم رسالة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، للمساهمة في تنفيذ مقررات مجلس الأمن الخاصة بالكونغو، لم يتردد واحد منا في تلبيتها، وفاء بالتزاماتنا نحو المنظمة، وقياما بواجب التضامن الإفريقي، وسعيا في خنق الاستعمار المقنع في المهد، حتى لا تنتقل إلى أقطارنا المحررة عدواه، وتصيبنا بلواه، وحرصا على أن لا تكون قارتنا بضاعة للمساومة، وميدانا تصطرع فيه النزعات، وتتصادم التيارات.

وكانت المهمة التي قبلنا القيام بها، وفهمنا أننا نرسل جنودنا ورجالنا الإداريين والفنيين من أجلها، تنحصر في دعم استقلال الكونغو وصيانة وحدته الترابية، ومساعدة حكومته الشرعية على تذليل المصاعب الطبيعية التي تواجهها وتواجه كل أمة في فجر استقلالها الباكر، والمشاكل التي أثارها الاستعمار وخلقها عمدا.

ولقد كانت قضية الكونغو في جملة الفرص التي تسنح لمنظمة الأمم المتحدة لتخليص العالم بكيفية سلمية ناجعة من شر الاستعمارين السافر القديم، والمقنع الجديد، وإنقاذه من ويلات الاستغلال البشري ونحن الذين نؤمن برسالة الأمم المتحدة وصلاح المساعدة الدولية، ونريد القضاء على الاستعمار في مختلف أشكاله، وتخفيف حدة التوتر بواسطة المنظمة العالمية، وضعنا أنفسنا رهن إشارتها تلقائيا وبدون تحفظ، لأننا من ذوي النيات الحسنة، همنا الوحيد محو الاستعمار والعنصرية ورواسبها، ومؤازرة الأمم المتحدة على تبليغ رسالتها وتحقيق عالميتها، وأن ينشر عن طريقها بين البشر عدالة وديمقراطية عالمية تجعل الشعوب كلها متساوية متضامنة، يعين غنيها فقيرها، ويأخذ متقدمها بيد متخلفها، وأن لا تتكتل الدول إلا للسلم والخير والتعاون النزيه، وهذا مذهب يشاطرنا فيه جميع الدول المستضعفة الموجودة في مثل مستوانا الاقتصادي والاجتماعي، والتي تكون الكثرة الكاثرة من سكان المعمور.

وعندما وصلت النجدات العسكرية والبعثات الفنية والإدارية إلى الكونغو تحت راية الأمم المتحدة، وجدت حكومة شرعية قائمة، ومؤسسات تمثيلية تباشر عملها، وشعبا مصمما عزمه على استكمال تحرير سيادته، ومصاحبة ركب التحرر الإفريقي الزاحف إلى الأمام، كما وجدت الخلاف منحصرا بين شعب الكونغو والاستعمار. وكان المظنون أن الدول التي ظلت مسيطرة على افريقيا أزمنة طويلة فهمت الوضعية الجديدة في العالم، وأن عهود الاستعمار

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٢٧