دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 .................... ص4
خطاب حضرة صاحب الجلالة بمناسبة افتتاح مؤتمر القمة بالدار البيضاء
منذ أن ابتليت قارتنا الإفريقية بالاستعمار، وهي تعاني من ويلاته الامرين، فهو إما يسومها سوء العذاب بالفتك بأبنائها، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية، والحيلولة بينهم وبين الاندراج في معارج الرقي والتقدم، إلى جانب استحواذه على ما تزخر به قارتهم من كنوز وثروات، أو يدس لها ويكيد، ويمشي بين طبقاتها بالوقيعة، مؤلبا هذا الجانب على ذاك، ومحرضا فريقا على آخر، سعيا منه في تمرير شمل الوحدة وتفكيك عرى التضامن، وهو في كل الأحوال يسلك نحو الجميع سياسة عنصرية مقيتة، جاعلا من بلادنا ميدانا لتجربة أسلحته الجهنمية الفتاكة.
وقد سنحت الفرصة لكثير من الأقطار الإفريقية فتحررت بفضل كفاحها من أغلاله، واندفعت في حزم وإيمان تصلح حالها، وتبني مستقبلها، وترأب ما انصدع من وحدتها، لكن عز على الاستعمار أن يراها منهمكة في أعمال التشييد والبناء، فجنح من جديد إلى عرقلة جهودها، وبت الأشواك في طريقها، متسترا تارة وكاشفا عن وجهه طورا.
ولما لم يرعو الاستعمار عن غيه، بل تمادى في مكره وصلفه في غلو وعناد، كان لا بد من اتخاذ أنجع الوسائل لإيقافه عند حده، وإحباط خططه، وفضح مؤامراته ودسائسه، ولهذا ارتأى جلالة الملك أعزه الله -وهو الموفق السديد الرأي- أن يدعو زمرة من إخوانه رؤساء الدول الإفريقية المتحررة الناهضة لعقد اجتماع في مستوى عال، تبحث فيه الوسائل العملية الكفيلة بأن تدرأ عن قارتنا الإفريقية أخطار الاستعمار في شكليه القديم والجديد، وتعزز جانب الوحدة الإفريقية، وتزيد أواصر التضامن الإفريقي قوة ومتانة واحكاما.
وقد استجاب الأقطار الإفريقية لهذه الدعوة الملكية الكريمة، فانعقد مؤتمر القمة بمدينة الدار البيضاء من يوم الأربعاء 16 رجب 1380 إلى يوم السبت 19 منه (4 - 7 يناير 1961) وافتتح جلالة الملك جلسات المؤتمر بالخطاب التالي:
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرات السادة
يسرنا أن نرحب بكم في مملكتنا، ونعبر لكم عما نشعر به نحن وشعبنا وحكومتنا من فرح وارتياح بوجودكم بين ظهرانينا، وما نعلقه من آمال على هذا الاجتماع الذي تتطلع جميع الشعوب المحبة للحرية والسلام إلى أن يسفر عن نتائج إيجابية لصالح التحرر الإفريقي والسلم العالمي.
لقد كان بودنا أن يكون نطاق هذا المؤتمر أوسع، فتشترك فيه جميع الدول الإفريقية، لأن معركة إفريقيا واحدة، ومصيرها واحد، ومطامح شعوبها وأهدافها مطامح وأهداف مشتركة بينها جميعا، ولكن خطورة الحالة الراهنة في الكونغو، وما تكتسيه مجابهتها من صبغة استعجالية، جعلت الحضور فيه قاصرا علينا، نحن الذين كنا في طليعة الدول التي قبلت تحمل مسؤوليات مباشرة عظيمة في ذلك القطر، وظهر من خلال نشاطنا الديبلوماسي داخل منظمة الأمم وخارجها ما بيننا من انسجام في السياسة، ووحدة في الرأي، وتجانس في الموقف، وتحرر من التبعيات، وأننا نستهدف أهدافا افريقية محضة، ونعمل لتحرير قارتنا من مختلف أشكال النفوذ الأجنبي تحريرا حقيقيا.