تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وغامضة تعيش ثم .. هي عرائس النهر، تغني أو تضحك فتذهب أصواتها مع صوت الماء الجاري الذي يسمع في هدوء وصمت، كأنما الصمت يحاول ترجمة ذلك الصوت .. في السحب، وفي الهواء، وخلال الغابات، وفي فجوات الصخور، كان يتخيل أنه يرى أشكالا أو يسمع إلى أصوات غامضة .. أشكالا ليست آدمية .. وأصواتا لا تكاد تفهم ..

الحب .. لقد خلق الحب لكي نحلم به، لا لكي نحسه .. ومن أجل هذا فقد أحب «مانريكي» كل النساء فترة ما .. أحب هذه لأنها شقراء .. وأحب تلك لأن لديها شفتين حمراوين، وأحب ثالثة لأنها تتأدد في مشيتها كغصن البان .. وقد يصل به اضطراب الخيال إلى حد أن يظل ليلة كاملة ناظرا إلى القمر السابح في السماء في هالة قضية، أو إلى النجوم الخافقة في أفقها البعيد كأنها الدرر ..

ذات ليلة من لياليه الشاعرية النابغة الأرقة تمتم فيما بينه وبين نفسه: نعم إنه حق .. كما قال لي هاتف الصخرة .. إنه من الممكن أن تكون نقط الضوء هذه عوالم .. وإن يعيش أناس في تلك الهالة المحيطة بالسحب، وستكون فاتنة تلك النساء التي يعشن في تلك المناطق المشرقة .. سوف لا أستطيع أن أراها ولا أن أحبها .. إلى أي مدى ستكون ساحرة؟ وكيف يكون حبها؟ .. على أن «مانريكي» لم يكن مجنونا إلى حد أن يتبعه الصبيان، ولكنه كان من الحمق بحيث يقوم بحركات تعبيرية إشارية إذا خلا بنفسه ..

-2 -

فوق النهر الذي يجري ممهدا طريقه بين الجنادل والأحجار السوداء القائمة على ضفافه، تقوم قنطرة تؤدي إلى المدينة بطريق تقود سالكها إلى تلك الدار القديمة التي يقطنها جماعة من رجال الدين ولهؤلاء مملتكات تمتد بعيدا على حاشية النهر .. وفي الفترة التي تتصل بحديثنا هذا كان رجال السلطة قد تخلوا عن سلطاتهم التاريخية، ولكن كانت هناك بقية من جدران قلاعهم العريضة لا تزال قائمة وقد غطيت أصولها ببعض الحشائش وبعض الأزهار البيضاء، فإذا هبت ريح حركت الحشائش والأزهار فأحدثت صوتا كأنه النشيج ..

ومن حول تلك القلاع ترى بعض الحدائق أهملت طرقاتها فلم تصلح منذ أعوام طويلة ولم يعن بالزروع، كأنما يخشى أن تشوهها الأيدي الآدمية لو مستها، وكان يعتقد أنها هكذا جميلة، أما الزروع المرتفعة المتسلقة جذوع الأشجار فقد كانت ظلالها تنعكس على الطرقات، كما كانت تعلو حينا حتى تختلط بأغصان الشجر، وكانت هنالك بعض عيون يفيض ماؤها بين الزروع والحدائق، كما كانت طرقات الحدائق مغطاة بالرمل، وترى هنا أو هناك أزهار جافة متساقطة تعلن انتصار الزمن على الكائن الحي ..

كانت ليلة من ليالي الصيف المعتدلة تتضوع عطرا وتهمس نجوى، يزينها قمر مشرق أبيض في وسط سماء شفافة مشرقة .. عبر «مانريكي» القنطرة بعد أن تأمل برهة بخياله الشاعري المدينة من خلفه وقد بدت سوداء شاخصة، تحيط بها مجموعة من السحب البيض الخفيفة المتناثرة في الأفق، ثم ما لبث أن لجأ إلى تلك الأنقاض حيث كان يقيم رجال الدين من قبل .. بلغ الليل منتصفه وكان القمر في سيره الهادي الرتيب قد وصل إلى أعلى مكان في السماء فانعطف «مانريكي» في سيره إلى أكمة على جانب النهر حجب عنه الأغصان فيها ضوء القمر، ثم ما لبث أن أرسل صيحة خفيفة مخنوقة، هي خليط من الدهشة والخوف والفرح، فقد رأى تحت ظلال الأشجار شيئا أبيض يتحرك، بدأ ثواني ثم اختفى في الظلام، وقد رأى بعين خياله أن هذا الشيء هو طرف ثوب أبيض .. ثوب امرأة ما لبثت أن اختفت بين الأغصان المتشابكة ..

-3 -

وصل «مانريكي» إلى الحد الذي أصبح فيه ضائعا بين الأشجار والأغصان في البحث عن المرأة الغامضة، لقد اختفت .. ولكن .. في أي مكان؟ هناك بعيدا .. أعتقد أنه رآها بين الأغصان ولو أنه لم يرها بوضوح تام، رآها كشيء أبيض يتحرك .. إنها هي .. إنها هي التي لها في قدميها أجنحة، وقد هربت كالظلال، اندفع يبحث عنها ممهدا بيديه طريقا لنفسه بين الأغصان المتشابكة، حتى وصل إلى مكان مضيء تظهر فيه السماء وجعل يقول: لا أحد! آه من هنا ذهبت أنني أسمع وطأ أقدامها فوق الأوراق الجافة، وحفيف ثيابها وهي تجرها فوق الأرض فتحتك بالكلأ وجعل يجري ويجري من هنا إلى هناك كأنه أحمق ولكنه لم يرها وناجى نفسه ثانية قائلا: ولكن لا زال وطأ أقدامها مسموعا! .. أعتقد أنها تكلمت .. لا شك في أنها تكلمت .. ولكن .. الريح التي تصفر بين الأغصان وخشخشة أوراق الشجر التي تبدو كأنها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٠١