تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص100

قصة العدد: شعاع القمر

للأديب الإسباني گوستاف بيكير

ترجمة: محمد الأمين محمد

لست أدري إن كان هذا تاريخا يبدو قصة، أو قصة تبدو تاريخا، بيد أن ما أستطيع قوله هو أن في أعماقه حقيقة، وإن تكن حقيقة جد حزينة، وربما أكون أحد من سيفيدون منها إن واتتني ظروف الخيال. وإن فكرة كهذه لكفيلة بأن تكون مادة لسفر من الفلسفة الباكية ... كتبت هذا إلى أولئك الذين إن فاتهم أن يكتنهوا الحقيقة، فلا أقل من أن يستمتعوا بالقراءة فترة ما:

-1 -

كان نبيلا، وله بين قعقعة السلاح، وبين موسيقى الحرب التقليدية المؤثرة، ولم يكن بمستطيع أن يرفع رأسه أو تفارق عيناه لحظة ما كتاب الأناشيد، حيث يقرأ آخر نشيد لشاعر حماسي ... ولم يكن من اللازم على من يريدون لقاءه أن يبحثوا عنه في فناء برجه الفسيح، حيث يعنى السيوس بصغار الخيل، أو حيث يقوم الخدم بتدريب الصقور على الطيران أو حيث يقضي الجنود أوقات فراغهم في شحذ حرابهم فوق الأحجار ..

ولقد كانت أمه أحيانا تسأل عنه خدمه: أين «مانريكي»؟ أين سيدكم؟ وكانوا يجيبونها: لا ندري، ربما يكون هناك قرب الصخرة جالسا على حافة جوث وقد أرهف سمعه إلى ما عساه أن يدور بين الموتى من أحاديث، عله أن يفاجئ بسماع إحدى كلماتهم أو يكون فوق قنطرة النهر جالسا يتأمل جريان الموج طائفة إثر طائفة وهي تعبر القنطرة، أو مستلقيا فوق إحدى الصخور منصرفا إلى إحصاء النجوم خلال سحابة يرقبها الفضاء .. أو متأملا اللهب المتواثب من القس المحترق هنالك قرب البحيرة.

سيكون في أي مكان، ما عدا الأمكنة التي ألف الناس جميعا أن يرتادوها .. فقد كان «مانريكي» يحب الوحدة .. يحبها كثيرا .. لدرجة أن في بعض الأحيان كان يتمنى لو لم يكن له ظل .. لأن الظل يتبعه في كل مكان.

أحب الوحدة كذلك لأنه في أعماقه كان يطلق لخياله العنان، فيتصور عالما خياليا تسكنه مخلوقات عجيبة، هي من نسج خياله، وبنات أحلامه الشاعرية .. إذ كان شاعرا تعجبه تلك الصور التي يركز أمامها تفكيره، وإن كان يعجز عن تركيز فكره عندما يكتب .. كان يعتقد أن أرواحا نارية ذات ألف لون تكمن بين الجذوات الحمراء لجذوع الأشجار المحترقة .. أرواحا تسبح كأنها حشرات ذهبية .. وهكذا كان يقضي الساعات جالسا بلا حراك مركزا بصره نحو الضوء.

كان يعتقد كذلك أن في أمواج النهر، وبين الأعشاب الطافية فوق البحيرة نساء خيالية مرحة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٠٠