تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطرب، وكلما فتح يمين الدولة مملكة من ممالك الهند إلا واعتقد الهنود بأن هذه الممالك وأصنامها المقدسة قد غضب وسخط عليها (سومنات) وأنه أهلكها إذ لم يكن راضيا عنها، إن جانبا من هذا الاعتقاد الذي يسوقه لنا ابن الأثير هو الذي سيفسر لنا مدى تأثير هذه الأسطورة في عقلية الهنود واستماتتهم في الدفاع عن هذا الصنم، ومدى كره يمين الدولة لمثل هذه الخرافة فجهز جيشا قوامه ثلاثون ألف جندي وابتدأت عملية فتح القلع والحصون المؤدية إلى هذا الصنم فأخضعها ولقي في «سومنات» 120 ألفا من السكان وظن أهل سومنات بأن الصنم المبارك سيرد عنهم هذا الزحف التحريري لمعتقداتهم، بالإضافة إلى ذلك فإن موقع سومنات بني على شكل حصن عال يشرف على البحر فتسلق المسلمون الأسوار عن طريق سلاليم وضعت لهذا الغرض، واشتد الحماس الديني بين الفريقين فأخذ الهنود يعفرون وجوههم في التراب ويسألون الصنم سومنات النصر بينما المسلمون استولوا عليه بقوة إيمانهم. وفر الكثير من الهنود إلى البحر بعد أن يئسوا من أمر صنمهم (1)، وكان مصير الصنم أن أخذ يمين الدولة في تكسيره وإحراق أجزاء منه، والبعض أخذ إلى غزنة حيث جعله عتبة للجامع الذي بناه، هذا إلى جانب التحف والجواهر مما يبهر العقول ويجل عن الوصف، والطريف في الموضوع أنه بعد سقوط الدولة الغزنوية لم يبق من آثار محمود غير مئذنة جامعه وضريحه حيث أمر الإنجليز بنقل أبوابه الخارجية إلى الهند سنة 1842م ظنا منهم أنها أجزاء من هيكل «سومنات» (2).

وفي سنة 407 توجه يمين الدولة من خوارزم فذهب إلى غزنة ومنها إلى كاشمير ذلك الإقليم الساحر الجميل بمفاتنه وطالت غيبته فيها ثلاثة أشهر فلما اجتاز سيحون وجيلوم وهما نهران عظيمان أتى صاحبها إليه معلنا إسلامه واتجه إلى ما حول كاشمير كإقليم «ماجون» وفتح ما حوله من الحصون، والولايات الفسيحة حتى وصل إلى «هودب» وأرعب صاحبها استعداد المسلمين بعد أن رأى جموعهم من إحدى القلاع فأعلن إسلامه.

وهناك بعض الحملات الأخرى التي اتخذت طابعا تحريريا من مظاهر الإلحاد كما حدث له مع الغور الذين اشتهروا بعدم ميلهم إلى الإسلام وعرفت بلادهم بوعورة مسالكها فلقي منهم مقاومة عنيفة، نظرا لمعرفتهم بأحوال منطقتهم وأوهم يمين الدولة زعيم الغور بأن جيوش المسلمين بدأت تتقهقر، وأعاد المسلمون الكرة مهاجمين بلاد الغور فتم لهم النصر نهائيا.

والملاحظ أيضا من خلال سياسته الحربية في الهند أنه كان يميل حينا بعد آخر إلى تصفية مشاكله مع الإمارات الإسلامية والتي كانت تنازعه في النفوذ السياسي، فمثلا عندما توفي أيلك خان سنة 403هـ تولى بعده أخوه طغان فأخذ يراسل يمين الدولة وطلب مصالحته قائلا: «المصلحة للإسلام والمسلمين أن تشتغل أنت بغزو الهند وأنا بغزو الترك وأن يترك بعضنا بعضا فوافق يمين الدولة على هذه السياسة» وهذا في رأيي يدل على مدى التسامح الذي جبل عليه يمين الدولة، فسياسته كانت دائما تهدف إلى الصلح والمهادنة وتوجيه اهتمامه الأكيد نحو الإمارات التي تدعو للكفر وتؤمن بالإلحاد، فالحافز الديني يكون لديه العنصر الغالب في محاربتها، وهذا لا يعني إهمال العناصر الأخرى المفسرة لتوالي حروبه، هذا إلى جانب اهتمامه بإزالة نفوذ البويهيين في الرأي وبلاد الجبل، فلقد استغل استنجاد مجد الدولة بعد أن أخلد إلى اللهو والكتب، فقبض عليه يمين الدولة وهو بالري سنة 420 هـ وامتد نفوذه بعد ذلك إلى بحر قزوين، ثم ما عرف عنه من مناهضة فرقة الباطنية ونفي المتعزلة إلى خراسان وإحراق بعض كتبهم في التنجيم والفلسفة ونقل بعضها بما يقدر بمائة جمل، وغلب على يمين الدولة تفهم وتقبل العقيدة الإسلامية مجردة من تلك النزعات والأفكار الفارسية التي علقت بالإسلام وهذا سر قساوته في حروبه مع فرق الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية، وحاول الفاطميون بدورهم إنقاذ إخوانهم من الإسماعيليين بالتردد إلى يمين الدولة فلم يجدهم ذلك نفعا.

والنتائج التي يمكن استخلاصها من هذه الفتوحات أن محمود الغزنوي يعتبر فاتحا فذ الطراز، فبنى للدولة الإسلامية أساسها الركين، وامتدت إلى ربوع الهند بالرغم من شساعة أطرافها وتشعب طرق

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: ج 9 ص 143.

(2) بروكلمان - تاريخ الشعوب الإسلامية الجزء الثاني ص 121.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٥٤