دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص39
مصانع الرجال
للدكتور: سليمان الحزين
حديث اليوم عنوانه «مصانع الرجال» وهو عنوان قد يبدو غريبا بعض الغرابة، ذلك أننا اعتدنا أن نقرن الصناعة بالمادة، فهناك مصانع نعرفها جميعا تتناول المادة الخام فتصقلها وتحولها صناعة أو مادة مصنوعة، وكلنا يعرف أن المعدن الأصلي يستحيل مادة مصنوعة تتأثر بأصلها من جهة وتتأثر بيد الصانع من جهة أخرى. والحديث عن صناعة الرجال حديث قديم جديد، صناعة الرجال أو صناعة الإنسان أو المواطن رجلا أو امرأة، صناعة تختلف بعض الشيء بل قد تختلف كل الشيء عن صناعة الأشياء. هذه الصناعة سأحاول أن أحدثكم عنها الليلة، لا حديث الكتب فذلك أمره معروف لكثير منا، وإنما سأحاول أن أحدثكم حديث التجربة، التجربة الواقعية، ثم سأحاول أن أحدثكم حديث التجربة، التجربة الواقعية، ثم سأحاول قدر الإمكان أن أتناول هذا الموضوع من وجهة نظرنا القومية في البلاد العربية.
التاريخ يعلمنا أننا بلاد عريقة في صناعة الرجال، ويعلمنا أيضا أن معاهدنا العلمية قبل أن تتخذ اسم الجامعة وبعد أن اتخذت هذا الاسم كانت مصانع الرجال والنساء في العالم، لأننا في المشرق العربي كنا دائما نتناول الخامة التي نكون منها الرجل أو المرأة المواطن أو المواطنة، نتناولها لا على أنها مادة خام، ولكن على أنها حياة مجسمة في مادة، وحياة إنسانية قبل أن تكون حياة حيوانية. والذي يتابع تاريخ هذه المصانع أو يحاول أن يتابع هذا التاريخ يستطيع أن ينسق صفحاته المتتابعة في نواح ثلاث.
الناحية الأولى هي هدف هذه المصانع، ما الغاية التاريخية من جهة، والمعاصرة الحديثة والمقبلة من جهة أخرى، وإذا اتفقنا على تحديد الغاية في ضوء تاريخنا ذاته فإننا نستطيع أن نتبين طريقنا من الحديث.
سأتحدث أولا عن الغاية، ما الهدف الذي سعى إليه أجدادنا في مصانعهم ونحاول نحن جهد طاقتنا أن نحاكيهم في مصانعنا الجديدة.
الناحية الثانية/ الوظيفة، ما وظيفة هذا المصنع؟ أهو مصنع يصقل المادة الخام صقلا خاصا يتناول مظهرها أم مصنع يحول المادة الخام في صميمها وفي عنصرها ليتخذ منها مادة جديدة؟ ما هي وظيفة الجامعة في تكوين الشباب؟
ثم أخيرا الوسيلة، ما هي الوسيلة أو الطريقة التي نمارس بها الوظيفة لنصل إلى الهدف.
هذا الاختصار ملخص هذا الحديث، ومن عادتي كمعلم قديم أن أبدأ بالملخص ثم أدخل إلى التفصيل. لندخل معا إذن إلى التفصيل، سأتحدث أولا عن الهدف، ثم عن الوظيفة، ولعل حديث الهدف والوظيفة أن يشير إلى الوسيلة فنختصر ختام المحاضرة.
الهدف الأساسي من التربية والتعليم هو أن تمر في مراحل ويخطئ من يتصور أن صناعة الرجال في الجامعات يمكن أن تتم مستقلة عما سبقها من مراحل التربية والتعليم، ذلك خداع للنفس عند المعلم، ويخطئ من يظن أن الجامعة في مرحلتها النهائية العليا تستطيع أن تصلح ما أفسد أو ما اعوج في يد المعلم في المراحل السابقة، ويخطئ من يظن أنه إن ظهر رجل في مصنع الجامعة، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى رجل الجامعة وأستاذ الجامعة، العملية كلها عملية متصلة الحلقات، والتربية والتعليم في الجامعة إن هي إلا ختام لمرحلة التعليم العام قبل ذلك. وهدف التربية أيضا له مراحل، مراحل تقف عندها الأهداف ويتابع بعضها البعض،