تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الواقعية للمسلمين، تساير التطورات العلمية، والتقلبات الفكرية، بل إنها كانت تسبق الأحداث في كثير من الأحايين، وتتبنى، مقدما، كل الحركات التي من شأنها أن تحقق للفرد السعادة المثلى، والاطمئنان التام، وهذا ما ضمن لها الإشعاع والاستتباب حقبة طويلة من الزمن، وحتى إذا ابتعدت هذه المعاهد عن الحياة الواقعية، أصابها التدهور، والانحلال فكم من معهد كان مصدرا للعلم والعرفان، ثم آل إلى درجة من الانحطاط، أداه إليه خموده واقتصاره على التلقين والترديد، بينما العالم بأجمعه يقطع أشواطا بعيدة المدى في ميدان البحث والاكتشاف والمعرفة.

ولقد كان انعزال المعاهد العلمية عن معترك الحياة مدعاة لهذا الصراع الحاد الذي شاهدنا ألوانا مختلفة منه في كثير من الإفطار.

وإذا كان هذا الصراع لم يخرج في الماضي عن النطاق الجدلي، فقد بلغ اليوم من الخطورة درجة قصوى إذ أن ابتعادنا عن الواقع سيقضي علينا، لا محالة، بالعزلة والركود، في عالم متحرك متجدد يفرض علينا فرضا تغييرات دافعة تقتضي منا مزيدا من اليقظة ومزيدا من العلم والعمل.

وأن مسايرة الواقع الحاضر وإعطاءه الحظ الضروري من العناية والاهتمام لا يتنافى مع السهر على استرسال المقومات الذاتية للأمة، فالمحافظة على القديم من جهة ضروري لاسترسال كيان الأمة وقيمها إذ فيه يتجسم شعورها الديني ومطامحها الإنسانية، والأخذ بأسباب العلم الحديث ومقتضيات التقنية والصناعة لا ينبغي من جهة أخرى أن يتخذ هدفا ومقصدا في حد ذاته بل على أنه وسيلة تيسر الحياة وتمكن من وسائل العيش اللائقة بكرامة الإنسانية، إذ هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكن الفرد المقدر لمسؤوليته من القيام بوظيفته الاجتماعية، في جو تسوده الرفاهية، والعدل، والإحسان، وهذا بالذات ما عمل الإسلام على تحقيقه، جاعلا من كل مظهر من مظاهر النشاط وسيلة لسعادة المجموع بسعادة الجميع، ساعيا في تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة. فلا قديم، ولا جديد، ولا جحود، ولا جمود، وإنما هي مجموعة جهود واعية يكمل بعضها الآخر، رغم اختلاف مظاهرها وأسبابها. إذ الهدف واحد متحد ألا وهو الرفع من قيمة الإنسان والمجتمع البشري إلى المكان اللائق بما كرمه الله به، تمكينا من القيام بما خلق من أجله ألا وهو عبادة الله عبادة تامة مطلقة.

وإن تشبثكم المتين -يا مولاي - بتعاليم الإسلام، وحرصكم الشديد على أن تحيا أمتكم حياة إسلامية صحيحة، لهو السر في اختياركم للأهداف التي تتوخونها من جميع المشاريع الإصلاحية في ميدان التعليم. فلقد أبت همتكم الاقتصار على تمكين هذا الوطن السعيد من أسباب التطور والحضارة، ووطدتم العزم على أن تجعلوا من هذه الأسباب مطية لاسترجاع مظاهر ذلكم العصر الذهبي للحضارة الإسلامية والثقافة العربية ووسيلة لإشراك المغرب في المجهود البشري لصالح الإنسانية وسعادتها، فليست الصدف وحدها هي التي جعلت عامنا الدراسي هذا يشهد، في الوقت نفسه، ميلاد كلية الشريعة بفاس، ومدرسة المهندسين بالرباط، بل إن الكل ينجز تنفيذا لخطة رشيدة محكمة.

وإن إقامتكم لهذه الذكرى المباركة في مثل هذا الحفل البهيج الذي استدعيتم له من مختلف أقطار المعمور أقطاب الفكر، ودعائم الحركات العلمية، لما يظهر بكامل الوضوح والجلاء بأنكم قد صممتم العزم على ربط حاضر أمتكم بماضي الإسلام المجيد، يوم كانت البشرية بجميع عناصرها ومختلف دياناتها تتبادل العون في سبيل ازدهار علمي، ينعم في ظلاله مجموع بني الإنسان مهما اختلفت أجناسهم ودياناتهم.

فاجتماعكم اليوم هنا-أيها السادة الكرام- هو في الواقع امتداد لهذه التقاليد السامية، مما يجعلنا نقدم إليكم أحر الشكر على تلبيتكم دعوتنا وحضوركم في هذا المهرجان الذي نأمل أن يكون نقطة البداية لحركة تتكاتف فيها سائر قوى الخير من أبناء البشر، وتتساند فيها العزائم الطيبة، من أجل الذود عن الكرامة الإنسانية، وإقرار التودد، والتآخي بين بني البشر، في جو يسوده الأمن، والسلام، والاطمئنان، وفي مجتمع تعمه الرفاهية، والعدل والإحسان.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٣٨