مع ذلك راض مطمئن، لكن تناقض أفكاره، ووسوسة ما تلقفه من جو الاستعمار تملكه تملكا تاما، فلا عجب أن يقبل على الخمر والميسر ومطاردة الفتيات، لأنها مقوماته المادية، ومغريات الإباحية، وإنما يتجرع هذه الغصص لأنه لا يملك قوة تعود به إلى أحضان وطنه وقوميته، وإذا كان مجلس جدل في الدين أو الاجتماع أقبل على الموضوع إقبالا جنونيا، وبينما تأخذ أنت وآخذ أنا الموضوع في شيء من قلة الاكتراث إذا به يدخل فيه دخول المتخوف الراجي للأمن، والظالم المؤمل المعفو، والضال الراجي للهداية، فما أحراك بالعطف والحنان يا شباب المغرب في هذه الفترة العصيبة، فلقد كان شبابنا المتفرنج في أيام الاستعباد ناسيا لنفسه، منغمسا في حمأته يخفيه ستار السيطرة الزمنية، أما وقد جاء الاستقلال، وأشرقت شمس الحقيقة، وغدونا نسير على الجادة، فقد تبدلت الأرض -في نظر الغرباء بين قومهم- غير الأرض، ومن أسهل اليسير أن نقول له: أن العلاج سهل قريب وهو أن تؤمن بمغربيتك، وتعتز بعروبتك، وتعود إلى إسلامك، في نفس حماس رجل الشارع، وعقلية الرجل المهذب العالم بأن الحياة لن تستقر بدون مثل عليا، منسجمة مع واقع الحياة العامة، غير متناقضة للوضعية الاجتماعية الخاصة، هذا سهل لمن كان خالي القلب، غير متسمم بآثار الأفكار الاستعمارية، أما الذي امتلأ دماغه حتى لم يبق فيه متسع فإن تنقية قلبه من الشكوك أمر في غاية الصعوبة، ولطالما علم إخواني رأيي في الشعوب المتوحشة وبعدهم عن الحضارة، فقد حدثتهم أن هنالك فرقا عظيما بين حياة التوحش والبشرية البدائية، فإن الإنسان البدائي ورقة بيضاء قابلة لأن يكتب فيها كل خير إذا وجدت التوجيه النزيه الرشيد، أما الوحشية، فلها قوانينها، ولها خرافاتها، ولها سحرها وشعوذتها، ومن العسير كسر الأباطيل والأوهام لبناء المثل العليا الصالحة، ولهذا فإن الفكر الإسلامي في مجموعه مرن سهل، لأن مثله العليا مركزة متشعبة في كل منحى من مناحي الحياة، فإنه ما كاد المسلمون يسمعون صيحة الإصلاحيين حتى استجابوا وساروا في طريق الهداية.
إنه ليس من الحق في شيء أن نزيد شبابنا عقدا نفسية على عقده، والنفوس البشرية لا تعالج بالعنف، وقد قال الله سبحانه مخاطبا لرسوله (ص) (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فكفى من رمي الشباب بالكفر والإلحاد، فإنه في ألم نفسي لا يبالي بعد أن ينتصر للكفر ضد الإيمان، وللإلحاد دون الاعتقاد الصحيح، كالمريض الآيس من العلاج يعمد إلى الانتحار ولنرفق بالشباب فلا نأمره ولا ننهاه، ولنتقدم لبناء مجتمع مغربي على أسسه التي بها قيام كيانه، فلنكن عربا مسلمين في غير تردد ولا هوادة، ولنتق الجدل مع أبنائنا، فإنهم إن رأونا عاملين في بناء متماسك على أسس عتيدة فإنهم يقبلون، وهذا وحده هو الذي ينعش مثلهم العليا، وينقي من ضمائرهم رواسب الاستعمار الفكري، ولكن قلما وجدنا أبطالا صرحاء نادوا بالحق في غير مواربة، على أننا بحمد الله وجدنا بالمغرب بقية رزقها الله سبحانه قوة المناعة، فلم تتلوث بأوبئة الاستعمار، وإن كانت تعيش في جسمها، وقواها القوى المعين حتى أكلت كرياتها النافعة كل ما خالطها من جراثيم الطواعين، فتحولت إلى غذاء ينفع ولا يضر، قوم أسلم شيطانهم فلا يأمرهم إلا بخير، وكلنا نتذكر الانهيار النفساني الذي كان شائعا في الأيام الأولى للاستقلال، والحيرة الفكرية التي كانت منتشرة بين الشبان، حتى كانت بعض الأندية تتبرأ من العروبة والعربية، تجاهر الإسلام بالعداء، إلى الحد الذي أخر انضمام المغرب للانخراط الرسمي في جامعتنا العربية .. وما هو إلا أن تعين في سفارة القاهرة الأستاذ الطريس، الذي كان تعيينه في منصبه إحدى كرامات مولانا محمد الخامس، حتى أخذ المغرب ينقه من داء مركب الشعور بالنقص، ثم انضم المغرب للجامعة العربية فكان انضمام لها أمنية حقيقية للمغرب الحقيقي، ورضي عن هذه الخطوة كل مغربي ومغربية، لأن الجميع يعتقد أن الوجود الدولي للمغرب محتاج إلى إسناد حقيقي ولا يرتكز على العلاقات المادية وحدها، فإذا بالمغرب يجد هذا السند في العالم العربي الذي ينتمي إليه المغرب سدى ولحمة، وكان تعاضد المغرب مع إخوانه أقطار العروبة من خيرة العوامل في قدرته على مجابهة مشاكل سياسية داخلية وخارجية ما كان يستطيع أن يتغلب عليها لولا قوة التآزر الأخوي، وكان المغرب بدوره قوة ضخمة في بناء الجامعة العربية، وهكذا يكون التآزر، ينتفع منه المتآزرون كلهم في نسبة واحدة.
لعل بعض القراء يحسب جعلنا للأستاذ الطريس في صف الأبطال، بمجرد تحمسه لقضية ضم المغرب للجامعة العربية، من باب التراشق بالزهور، والعذر بين لمن تخيل ذلك، لكن الأمر أكبر من هذا الاعتبار، فإن وقوف رجل من رجال الدولة في قضية ما موقفا صارما لابد أن يكون معتمدا على يقين من رضى الجانب الذي يمثله، وهذا صحيح مآلا، ولكنه في حق الطريس غيرمنطبق، فقد وجد عدة دوائر تكره إثارة هذا الموضوع وتود أن لا تمسه