تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووضعيات الأمم المتقدمة، فقرروا في واعياتهم الخفية أن يسيروا بالمغرب إلى حياة منسجمة مع الواقع الحضاري، ولم يكن لهم موجه يوجههم.

وأحسن ما فعلوه أنهم لم يقفوا مترددين، بل تحركوا بعد ركود وأخذوا في المسير لا إلى جهة معينة وإنما لغاية معينة هي حياة محترمة في إطار محترم: واختلفت تعابيرهم فمن داع إلى الرجوع إلى سلفية الإسلام ومن صارخ بتطبيق الشريعة على طريقة فهم المالكية، ومن داع إلى التخلص من ربقة الدين بالجملة، ومن مستحسن للنصرانية، واختلفت التعابير والقصد واحد وهو النهوض والترقي بالمغرب وما كان اختلافهم إلا كاختلاف أصحاب التعاريف في تعريفاتهم فبعضهم يرسمه رسما ناقصا، وبعضهم يحده حدا غير مطرد ولا منعكس، ومن مجموع التعاريف ستتخلص حقيقة المعرف، ومن جملة الأفكار تتكون الفكرة، حيث أن هنالك نقطة التقاء هي القدر المشترك.

وفي هذا الظلام من الحيرة والارتباك، برقت بارقة الوطنية المباركة، ثم أخذت تتألق نجما ساطعا في عبارة موجزة، وهي التحرر من سيطرة الاستعمار، فمعه لا يمكن أي نهوض ولا أي تقدم، وبهذا تحدد المثل الأعلى ولكنه مثل أعلى يمكن الحصول عليه، ومن شأن الشيء إذا وقع عليه الحصول أن يفقد قوته كالسيارة تقف في سيرها وكالكهرباء يسيطر عليها وكالمحبوبة تصبح زوجة، وكالطفل يصير رجلا، فقد تأدت الغاية ونفذت قوة المثل الأعلى، لكن الإسلام نقل المثل العليا من الدنيا ووضعها في الآخرة، وجعل المثل الدنيوية وسائل إلى غاية لا تدرك ما دام الإنسان على قيد الحياة، وعليه إن يظل عاملا دائبا إلى أن يلفظ نفسه الأخير، وما دام المثل الأعلى يطير بأجنحة من ذهب في عالم الأحلام فهو طاقة جبارة، حتى إذا وضع في قفص الإمكان شأن أسد البادية يسجن في القفص، صار هملا وذكرا من الذكريات، فمن الحق أن ترتفع الفلسفة المنطقية بالمثل الأعلى إلى الحد الذي يستهلك العمر كاملا، خشية نفاذ الطاقة قبل نفاذ العمر، وهذا يوجب أن نكون مسلمين لنومن بالحياة الآخرة التي يسمو فيها من يتوسلون بجلائل الأعمال في خدمة المجتمع البشري إلى أن يتم قصد من مقاصد الإسلام في أن نصطبغ بفكرة أخوة بشرية لا شائبة فيها للطبقية ولا للعنصرية، وإن أفضلنا وأكرمنا على الله هو أكثرنا استقامة وتمشيا مع قوانين الأخوة في أخلاق متينة وحياة مبسطة مركزة لا حقد فيها ولا حسد.

وإن أردنا أن ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس، فعلينا أن نبدأ العمل من النقطة التي نشغلها، دون أن نتقهقر إلى الوراء، فإن الله لما أراد بالناس خيرا، بعث في العرب رسولا منهم يفكر تفكيرهم وينطق لغتهم، وما كانت لغة علم ولا حضارة، ورغم ذلك فبها كانت قيادة العالم بما فيه من مفكرين وفلاسفة ومهندسين، ولم يحتج سيدنا محمد (ص) في دعوته الإسلامية الهائلة القادرة على احتضان البشرية في رفق وطمأنينة إلى الانسلاخ عن قوميته ولغته وعقيدته، بل أرسلها فطرية نقية في إطار لا أثر للتصنع فيه، وإنما أخذتنا الحيرة -معشر المغاربة- بعد اندحار السيطرة الأجنبية البغيضة، لأن تفكيرنا في العمل الإيجابي لم يبلغ درجة النضوج، فإن التفكير الصحيح لا يوحي مطلقا بالتنكر للغة من اللغات ولا لدين من الأديان، فأحرى به أن لا يتنكر للإسلام والعروبة، ولكن بقية غشاوة الاستعمار أخفت المعالم الواضحة في ضباب كثيف، لم يطل أمرها حتى سطعت الشمس واتضحت المسالك، وهذه الغشاوة ناتجة عن مذهب الاستعمار الذي تسيره عقول متحضرة، في نفوس جشعة جشع وحوش الغاب، لأن الحضارة في الأمم، شأنها شأن الدباغ في الجلد الخشن يسري فيه شيئا فشيئا، ولن يصل الدباغ إلى جميع أجزاء الجلد، دون بقية من الشيء إلا في أيام وعصور طويلة، وهؤلاء المستعمرون في حضارتهم كالجلد الغير كامل الدبغ، فأعمالهم في التشييد والبناء من باب الحضارة، وإمعانهم في العنصرية واستعباد الضعاف بقية إنسان الغاب، وإذن فالحضارة خير لا شر فيها، وما يظهر فيها من شر فإنه من بقية الهمجية المتسترة خلف البدلة ووراء اللغة والفكرة، ويكفي الاستعمار بداوة سوء نيته في التوجيه، حيث أطبق المستعمرون على سلب الشباب شحنة طاقة الإيمان، فأفقدوه وطنيته وحرموه الحماس لدينه، وعوضوه عن المثل العليا القمينة به، أفكارا لا صلة بينها وبين تاريخه، ونوموه تنويما مغنطسيا لقنوه أثناءه احتقار قومه وقوميته، ففزع لذلك عقله الباطن فزع المنوم المسحور، وانقادت جوارحه لأنه لا يملك قبيلا ولا دبيرا، وعاش في ألم نفسي، وفقد راحة الضمير، فليس بقادر على أن يعود إلى جوه الصالح له من الاعتزاز بمقوماته والتمسك بآرائه تمسك البخيل بماله، وليس بقادر على أن يتحلل من الخزعبلات التي لقنها إياه أساتذته الاستعماريون فحاول أن يهرب من هذا الألم الذي وضعه في صف الموسوسين، وود إن لو كان في هناء ضمير رجل الشارع، حين يتوسل بالصالحين، ويلتجئ إلى المشعوذين، وهو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٢٠