في أيدي قلة -في غالب الأحيان- وهذه الثروات تعطى نتيجة استغلالها عائدا عاليا مما يزيد من مضاعفتها، فلا يرجى بذلك لتلك الكثرة الغالبة ممن قدر لهم ألا يتمتعوا (بما تتمتع به الأقلية من ثروات ودخل) بدخل يرفع من مركزهم، لأن مضاعفة أموالهم لا يكون بنفس السرعة.
وإذا نظرنا إلى تصرفات المنظمين إزاء تلبية رغبات الأفراد فإننا نجدهم يولون الاهتمام الأكبر إلى تلك الحاجات التي يطلبها الأغنياء. لأنها تعود عليهم بأرباح تغريهم وتقعدهم (في الغالب) عن إنتاج تلك الحاجات الضرورية التي يشعر الفقراء بضروراتها، فتحرم بذلك هذه الطبقة الفقيرة نتيجة هذا التصرف التلقائي من طرف المنظمين.
وعلاجا لهذين العيبين (الحق في الميراث-الملكية الفردية) تتدخل الحكومة لتقليل التفاوت بين دخول الأفراد عن طريق فرض ضرائب تتناسب ومقدرتهم على الدفع، وتكون هذه الضرائب بالطبع تصاعدية (أي أنها ترفع من سعرها كلما زادت قيمة الدخل-وقد يصل في بعض الأحيان ارتفاع سعر الضريبة إلى حد مصادرة ما زاد عن قدر معين من الدخل) وذلك باعتبار أن الضريبة لا تعتبر موردا من موارد الدولة فحسب بل هي أداة تستعين بها لتحقيق العدالة الاجتماعية. وكذلك حال الضرائب التي تفرض على الثروات التي يرثها أقارب المتوفي بحيث يرتفع سعرها كلما بعدت درجة قرابة المتوفى أو كانت قيمة الثروة الموروثة كبيرة ..
وبجانب فرض الضرائب لتقليل التفاوت فإن الحكومة تعمل على تحسين حالة الطبقة الفقيرة بما تقدمه من خدمات وسلع بأثمان منخفضة حتى تضمن مستوى ملائما للمعيشة لهذه الطبقة الكادحة ..
أما المنافسة كعيب من عيوب الرأسمالية فهي تتمثل في تلك الاتحادات الاحتكارية (المسماة بالترست والكارتل والشركات القابضة) والتي تنافس المشروعات الصغيرة. وتضغط عليها بشتى الأساليب المعروفة لدى المنظمين، حتى يقضوا عليها فيخلو لهم الجو للتمتع بالسوق بما يشبه الاحتكار.
ولكي تحد الحكومة من تمادي مثل هذه المشروعات أو التكتلات في سياستها التحكمية تفرض عليها ضرائب مناسبة على منتجاتها أو تنشيء مشروعات عامة تنافسها في إنتاجها وتحد من سلطانها.
وبالنسبة لمدى سرعة إعادة حالة التوازن بعد اختلال النشاط الاقتصادي فإن الأمر إن ترك بيد الأفراد (المنظمين) ليعيدوه إلى حالته الطبيعية بعد اختلاله فإن ذلك قد يتحقق ولكن بعد أن تمضي مدة من الزمن تكون الأزمات قد تمكنت من معظم فروع الإنتاج وزعزعت الكيان الاقتصادي ... لهذا فإن الحكومة -بما لها من سلطة مطلقة- تستطيع أن تعجل بإعادة الحالة إلى طبيعتها عند الشعور بأول بادرة من بوادر الأزمة أو هزة من هزات الكساد، فتسعى إلى علاج هذه الحالة بإيقاف الأزمة قبل استفحالها والكساد قبل تفشيه في سائر الميادين .. وذلك باتخاذ إجراءات معينة كتخفيض عبء بعض الضرائب والتوسع في الإنفاق أو التحول من نشاط إلى آخر كل ذلك وغيره حسب ما تقتضيه ظروف الحال ..
كانت هذه نظرة خاطفة على الوظائف التي تقوم بها الدولة تحت النظام الرأسمالي الحديث وهي بطبيعة الحال تستلزم أموالا طائلة لا تحصل عليها الدولة بتلك الوسائل التي تستخدمها المشروعات الخاصة (أي الفردية) وذلك راجع إلى كون الدولة لا تريد أن تحصل من أفرادها المنتفعين مباشرة من خدماتها على المقابل (الثمن) بل تلجأ (بما لها من سلطة) إلى مطالبة رعاياها القادرين على الدفع من أموالهم بالمساهمة في تلك النفقات التي تتكلفها هذه المشروعات بغض النظر عما إذا كانوا يستفيدون منها أم لا وتتمثل هذه المساهمة في تلك الضرائب التي يقدمها القادرون على الأداء ..
يمكن لنا أن نستخلص في النهاية أن الخدمات العامة أو الوظائف الاقتصادية للدولة تتميز بخصائص ثابتة:
العمومية: بحيث لا يقتصر على تأديتها لفئة معينة دون أخرى لاعتبارات سياسية أو حزبية بل تؤدى لجميع المواطنين.
الأهمية: وهذه الصفة كفيلة بتبرير قيام الهيئات العامة بتأديتها إذ لو لم يكن هناك أهمية لما كان لزاما على الحكومة أن تضطلع بمهامها.
الاستمرار: ما دامت هناك حياة منظمة في المجتمع فلا يعقل أن تتوقف لأنها مرتبطة بوجوده. وباقية ما بقي نظام المجتمع ..