الاحتفال، واعتبارهم شهره عيدا من الأعياد، وأنه لم يكن أحد منهم يخل به حتى طغت علينا هذه الحرية الموبوءة التي نرجو أن يكون الدستور وقاية لنا من عقابيلها الفتاكة، وأما الحج فبالرغم من أتعابه ونفقاته الباهضة حتى قال بعض العلماء إنه ساقط عن أهل المغرب، فإن حجاج المغاربة كل عام يعدون بالآلاف. ولولا العراقيل التي توضع في سبيله واستغلال شركات النقل لضعفة الحجاج لكان عددهم أضعافا مضاعفة عما بلغ إليه لحد الآن.
هذا بالنسبة إلى أركان الدين العظمى، وأما السنن والفضائل وأدب السلوك العام، فإن المغاربة ما برحوا يزنون جميع أعمالهم بميزان الشرع الشريف ويحرصون أشد الحرص على عدم مخالفته في قول أو فعل، ومن ثم نرى هذه الثورة التي تضطرم بها جوانحهم على ما شاع في العهد الجديد من الفسق والفجور، ومعاقرة الخمور، والاستهانة بأمور الدين في كثير من المظاهر والأعمال لما أن القوانين العصرية لا تتعرض لذلك بنفي ولا إثبات، والشرع الذي يعاقب على ذلك قد عطل أو لم يبق بيد أهله نفوذ، وإلى هذا فإن المجتمع المغربي لا يزال في عوائده وتقاليده إسلاميا صميما إلا عند بعض المنحرفين الذين أشرنا إليهم فيما قبل.
على أن أعظم حجة على تدين المغاربة وتمسكهم بالعقيدة الإسلامية هو ما نراه ونسمعه من تملق بعض الساسة للعاطفة الدينية عند الشعب المغربي وتظاهرهم باحترام شعائر الإسلام، وإن كانوا في باطنهم يستخفون بها، رغبة في تأييد الجماهير الشعبية لهم وكسب أكثر ما يمكن من الأنصار.
وأما تعلق المغاربة بالعروبة وانتماؤهم إلى القومية العربية فلا أدل عليه من هذه الصيحات المتوالية من جميع الطبقات بوجوب تعريب التعليم وتعريب الإدارة على العموم، ومن تأييد فكرة المغرب العربي الذي هو الجناح الأيسر للجامعة العربية، ومن الحماس المنقطع النظير الذي قابل به الشعب المغربي الانضمام إلى هذه المؤسسة العتيدة بعد ما تشوف إليه منذ فجر الاستقلال، ومما يبديه في كل مناسبة من التضامن مع الشعوب العربية لنصرة قضاياها المختلفة، ولا سيما قضية فلسطين الشهيدة، واستعداده للتضحية بالنفس والنفيس في سبيل تحريرها وإنقاذها من الاستعمار الصهيوني الغاشم، إلى غير ذلك مما هو خبر بمعلوم.
وأما تشبثهم بمغربيتهم وما لها من خصائص ومقومات فيظهر في قوة عاطفتهم الوطنية ومحافظتهم على عوائدهم الاجتماعية وفي نظام بيوتهم ومعيشتهم وما إلى ذلك.
نعم هذه هي المثل العليا التي من أجلها يعيش كل مغربي مغربي، وعلى هداها يسير، وفي سبيلها يعمل، ثم هي من حيث حرصه عليها وتعلقه بها وتقديسه لها على هذا الترتيب الذي ذكرت به، فالمغربية تلي العربية وإذا تعارضتا فرضا وتقديرا فهو عربي فكرا وشعورا وأنف الوطنية الإقليمية الضيقة راغم، تماما كما لو تعارضت العربية -وهي لا تتعارض- مع الإسلام فهو مستعد للتضحية بها والتنكر لها احتفاظا بعقيدته وتمسكا بدينه الذي لا يبغي به بديلا، فالذي يريد أن يسوس المغرب ويحظى بثقة المغاربة عليه أن يرعى هذه المبادئ الثلاثة في كل عمل يعمله وكل سياسة ينتهجها، وإلا فإنه سيبوء بالفشل الذريع والخذلان الشنيع.
إن أول انطلاقة تحررية جدية بإجماع الآراء، هي التي انبعثت من خطاب طنجة التاريخي سنة 1947 وهي التي أعلن فيها جلالة الملك أن اتجاه المغرب الطبيعي نحو الشرق الإسلامي والبلاد العربية، فالذين يقولون اليوم إن المغرب من الغرب أو إنه واسطة بين الشرق والغرب إنما يحاولون قصم العرى المتينة التي بينه وبين إخوانه المسلمين والعرب تمهيدا للانزلاق به نحو التبعية الغربية والانسلاخ من قوميته العربية الإسلامية، ولو كان من الشعوب العربية من يصح له أن يدعي هذه الدعوى لكانت مصر التي سبقتنا للاتصال بالحضارة الغربية بقرن ونصف والتي تعد اليوم من علمائها وخبرائها وفنييها عشرات المئات إن لم نقل الآلاف، على أن خديويها الذي لم يفهم نفسية شعبه وقال إن بلادي قطعة من أروبا قضى بقية حياته منفيا في أروباه! .. فكيف نحن ببضع (ليسانسات) في الحقوق الفرنسية، من غير عربية، أو ببعض أفكار (شيوعية) يخلب بها السياسيون الفاشلون عقول