تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ان كل صلاح وسداد أصله متابعة التوجيه اللاهي ومواطاة التشريع السماوي وكل ضلال وفساد فسببه الشرك بالله والإلحاد في أياته، والاستهزاء بكلماته.

فأما توحيد العقيدة والملة فيترتب عليه طبعا تقارب القلوب وترابط الصفوف، وتناسب الحياة والعيش، وتناسق الفكر والعمل، واما أذا تعددت الالهة وتكاثرت الارباب أو اختلفت الاسماء، واتبعت الاهواء، فان الاتجاهات تختلف والمصالح تتعارض والقوى تتقاسم وينشأ عن ذلك اللدد والخلل وابتسامة النفاق ويتبعها اراقة الدماء واكتساح الاموال واستباحة الاعراض والاستهانة بالمقدسات والحرمات كما هو جار في نزاع أهل الاهواء المستبدين، وأدعياء الاصلاح المبتدعين، وكان لتحقيق دعوة الاسلام مرحلتان: مرحلة الايمان وهي مرحلة النظر الممكن في ملكوت السموات و الارض، و ما خلق الله من شيئ حتى يكون ايمان المرء عن علم وبينة بحيث لا يساوره شك ولا بتدخله ريب فيما يأتيه من الحياة العلمية والعملية، وإذا حل هذا الإيمان في القلب وثبت نوره في النفس استلذ صاحبه كل محنة في سبيله، واحتمل كل مكروه من أجله- وبعد قطع المرحلة النظرية يأتي

دور التجربة العملية أي دور العمل الصالح الدائم ولها أطوار يأخذ بعضها ببعض: طور التصميم و الإنشاء - إنما الأعمال بالنيات- وطور الانجاز والبناء "ولا تبطلوا أعمالكم " وطور التكييف و الإنماء - ولكل امرئ ما نوى- وعلى هذا السياق جاء جواب الرسول المسلم قولا لأسأل عنه احدا بعدك فقال: قل أمنت بالله ثم استقم وأصله قول الكتاب الحكيم" ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون" فأما الإيمان من غير ممارسة عمل ففكرة عقيمة، لا وزن لها ولا قيمة، وأما العمل بدون إيمان وبدون علم فلا يوثق به ولا يعتمد عليه لأنه معرض لأخطار الشك والترك والفساد ....

هذا وأن القران دستور الإسلام، وقانونه العام، وكتابه المحفوظ، يستمد المسلمون منه كل قوة وسياسة حياتهم، ويرجعون إليه في حل مشاكلهم و معاظلهم، فهو شارع النجاة و محجة الفوز والمأمن من كل فزع وخوف، وهو قانون لا يشتبه بغيره، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أساسه أن الإنسان لا يتقدم إلا بسعيه واجتهاده، ولا ينال الدرجات العلا الا بصالح أعماله، ولا يستوي عالمه و جاهله، وقد فصله الله للعباد تفصيلا، وبينه الرسول للناس تبيينا، وكان خاقه ودينه يعرضه على حياته ويثبت وصاياه في نفوس أصحابه، حتى تمتزج بلحومهم ودمائهم، وتدخل في أقوالهم وأفعالهم، وقد قسا كفار قريش فهجروه وعارضوه حتى قال الرسول- يارب ان قومي اتخذوا هذا القران مهجورا - والمسلمون في أوائل عهدهم ساروا على منهاج هذا والمسلمون في أوائل عهدهم سروا على منهاج هذا الكتاب فطاعت لهم الدنيا ولاح لهم فجر الفلاح ونصروا الله به فنصرهم، وأقاموا حدوده وعهوده فاستخلفهم، الله به فنصرهم، أقاموا حدوده وعهوده فاستخلفهم، وعرفوا المعروف وأنكروا المنكر فرفعهم، وحفه الأولون بجهادهم وصدق إيمانهم، فكان كلما تلقى صدمة من الكائدين له هب الحمادة لنجدته، وأسرعوا لرد الهجوم عن ساحته، بحججهم القاطعة، وسيوفهم القارعة، من دون تردد ولا تلعثم، وما نشأت حروب الردة بعد موت الرسول الا لشح الأقوياء على الضعفاء، وإلا للتفرقة بين حكم الصلاة وحكم الزكاة، والقران لا يفرق بينهما ولا يعترف بشح الأخ على أخيه فتراه في نصوصه يربط بين الطبقتين برباط الود والولاء، ويقيم بينهما ميزان العدل والإخاء، وتضمن كل وسيلة من وسائل التقرب والتفضل كما قال تعالى" ولا تنسوا الفضل بينكم ان الله بما تعلمون بصير".

ومن شان ذلك ان يؤكد دعائم الحياة الناعمة، ويوفر أسباب السعادة الدائمة، وإنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم،- وما نشبت حروب الشراة الا لتركهم طاعة الإمام وجرأتهم على الدين، واستحلالهم قتال المسلمين، _ وقد اخبر عنهم النبي بقوله_ لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض_ ها كذا كان الإسلام له أنصار و أشباع يدفعون عنه كل ما يعرض مما يخبث وجهه ويلطخ سمعته أو يطيحه ويودي بحياته والله مؤيدهم وناصرهم ...

ولم يكن المومن المسلم يتصور في أي وقت مضى نكبة الإسلام الحاضربين أهله وذويه، ولا كان يتوقع ما فوجئ به من صفع وصفق وقساوة وتاويل والحاد ولا ما أصاب أولياءه على قتلهم وغربتهم من سواء وضرر ومعاكسة، فالدعائم الروحية والاخلاق المستوية تنهار قصدا وتتهاوى يوما فيوما "واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يومنون بالآخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون"

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٩٤