تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" هذا التصوير الاسلامي للحضارة هو في يقني التصوير الجدير بالانسانية الكفيل بسعادتها ولو انه استقر في النفوس وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم اياها، لتبدلت الانسانية غير الانسانية، ولانهارت مبادئ يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت مبادئ سامية تكفل معالجة ازمات العالم الحاضر على هدى نورها."

" والناس اليوم في الغرب والشرق يحاولون حل هذه الازمات دون ان يتنبه أحد منهم، ودون أن يتنبه المسلمون أنفسهم، الى أن الاسلام كفيل بحلها، فأهل الغرب يتلمسون اليوم جدة روحية تنقذهم من وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم وعلة ماينشب من الحروب بينهم، تلك عبادة المال. واهل الغرب يتلمسون هذه الجدة في مذاهب الهند والشرق الاقصى على حين هي قريبة منهم، يجونها مقررة في القران، مصورة خير صورة فيما ضربه النبي العربي للناس من أثناء حياته".

ذلك ما كتبه الدكتور هيكل رحمه الله منذ ما يزيد على خمس وعشرين سنة ولم يزد مرور الايام والأعوام كلامه الا رجاحة وصدقا، فما من يوم يمضي الا وتثبت فيه الوقائع وهن هذه الحضارة القائمة على أساس اقتصادي ويقوم الدليل على فشلها في تمهيد سبيل السعادة للانسانيبة بل وعلى سوقها الانسان الى هاوية الشقاء الابدي ثم انه ليتجلى بوضوح يوما عن يوم ان خلاص الانسانية من مشاكلها القائمة وتحقيق سعادتها هو تطبيق تعاليم الاسلام الروحية والعمل بمبادئه الخلقية السامية.

لكن دعوة الانسانية الى تنظيم حياتها الاقتصادية على مبادئ خلقية باسم الدين محكوم عليها سلفا بان تكون صيحة في واد سواء كانت الدعوة باسم الديانة الاسلامية أو المسيحية أو الموسوية ذلك للسببين الاتيين:

1. أن الدين صار بفعل عوامل كثيرة ومختلفة من ضعف السلطان وقلة النفوذ والتأثيرات بحيث لايقوى على تصحيح المعوج من الاوضاع القائمة فبالاحرى على تغيير الأسس التي يقوم عليها المجتمنع العصري وتوجيه علاقات الشعوب وتكييف الحياة الدولية.

2. على فرض نجاح الدعوة باسم دين من الاديان الثالثة فان الاستجابة ستنحصر بطبيعة الحال في الشعوب المنتمية الى الدين الذي قامت باسمه الدعوة اذ لا يحتمل ان ينقاد لاحكام دين ما غير أتباعه، أما بقية البشر فسيبقون بعيدين عن هذه الاحكام.

ولدلك ارى ان الدعوة الى الاخد بتعاليم الاسلام في نطاق عالمي تكون ادنى من النجاح واحرى بالانتشار اذا قامت باسم الجمال مجردة عن كل صبغة دينية تقليدية.

ان العقيدة الجمالية هي الصعيد الوحيد الذي يمكن أن تتحقق عليه الوحدة في الشعور والنزوع والعمل بين من يسمون أتباع الديانات السماوية الثلاث، وعلى صعيدها كذلك يمكن أن يرجى تحقيق نوع من الوحدة في الانظمة والحياة الاجتماعية لمختلف شعوب العالم.

ينبغي ان تساند الدعوة الجمالية العالمية حركة اسلامية اقليمية شعبية وحكومية تستهدف احياء العمل بتعاليم الاسلام وأحكامه في كل شعب اسلامى بالروح التي كانت تطبق بها هذه التعاليم والاحكام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.

فلا يخفى على أحد ان المسلمين ظلوا يبتعدون عن جوهر الدين الاسلامي في حياتهم الخاصة والعامة شيئا فشيئا على ممر الاجيال والقرون حتى لم يعد لكلمة "مسلم" من مدلول عملي غير تعريف جنسي اذ اتسع مفهومها فشمل المارقين من الاسلام المعرضين عن اقامة اركانه وحدوده بل وشمل حتى الملحدين الذين لا يومنون بوجود الله ولا بالبعث وتراهم " من الذين امنوا يضحكون واذا مروا بهم يتغامزون واذا انقلبوا الى اهلهم انقلبوا فاكهين واذا راوهم قالو ان هؤلاء لضالون".

ان كلمة "مسلم " تطلق اليوم على كل متنسل من سلالة المسلمين بقطع النظر عن ادائه لفرائض الاسلام فاصبح معظم المسلمين لايقيمون الصلاة والتي لايتم اسلام المرء بدونها ولايصومون رمضان وان كان الكثير منهم يمسكون عن الطعام في النهار وفشت فاحشة الزنى وشرب الخمر وتعددت المناكر على اختلاف الأشكال والألوان.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٩٠