تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المستوى الفردي والجماعي وتركه يتحكم في طريقة حياته وتفكيره وعلاقاته ومعاملاته الانسانية، فلا غرو اذن ان يعيش هذا الانسان أثرا أنانيا خائفا مترقبا متوليا كبره في حيرة دائمة وفي شك مريب من جداية ما ياتي وما يذر يهدم اليوم مابناه بالامس، ويبني اليوم ما يعود غدا الى هدمه.

وسيبقى الفرد بعيدا عن السعادة ضالا عن سبيلها مادام رائده في الحياة هو الكسب المادي وما دام العامل الاقتصادي يوجه سياسة دولته ويكيف الحياة العامة في بلاده مهيمنا على مختلف مرافقها وأنظمتها

.وسيظل القلق والاضطراب يسودان العلاقات الدولية وسيلبث الخوف مستوليا على الشعوب وسيمكث شبح الحرب يهدد الامن في كل حين مادامت مختلف دول العالم تنصاع لحكم العامل الاقتصادي تستوحيه سياستها الخارجية ويحدد علاقاتها الدولية ويملي عليها جميع مواقفها وتصرفاتها.

وأنا لم أزد على التذكير بحقيقة نادى بها بعض قادة الفكر الاسلامي الحديث أخص منهم بالذكر المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه "حياة محم" الذي اورد منه مقتطفا هم أبلغ تعبيرا في الموضوع واوفى بالمقصود.

قال الدكتور رحمه الله:

"في اعتقادي أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساسها، وتقيم قواعد الخلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية، ولا تقيم للعقيدة وزنا في الحياة العامة، تقصر عن ان تمهد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة.

بل ان هذا التصوير للحياة لجدير ان يجر على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الاخيرة، جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحرب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غي مرجو الثمرة. فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف الذي اكل أنا وتأكل انت وتنزعنا عليه ونضالنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوة الحيوانية في كل منا، فسيظل كل منا يرقب الفرصة التي يحسن فيها الاحتيال للحصول على الرغيف صاحبه، وسيظل كل منا ينظر الى الاخر على أنه خصمه لا على أنه اخوه، وسيظل الاساس الخلقي الكمين في النفس أساسا حيوانا بحتا، وأن بقي كمينا حتى تدفع الحاجة الى ظهوره، وستظل المنفعة وحدها قوام هذا الاساس الخلقي، على حين تنزلق عليه المعاني الانسانية السامية والمبادئ الخلقية الكريمة، مبادئ الايثار والمحبة و الاخوة، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلق به.

" وما هو واقع في العالم اليوم خير مصداق عملي لما أذكر. فالتنافس والنضال هما المظهر الاول للنظام الاقتصادي، وهما لذلك اول مظهر لحضارة الغرب. وهما كذلك في المذهب الفردي وفي المذهب الاشتراكي على سواء. في المذهب الفردي ينافس العامل العامل. وينافس رب المال رب المال، والعامل ورب المال فيه خصمان يتنافسان. وأرباب هذا المذهب يرون في هذا التنافس وهذا النظال كل خير للانسانية ولتقدمها. فهما عندهم الحافز للاتقان والحافز لتقسيم العمل، وهما المعيار العادل لتوزيع الثروة. اما المذهب الاشتراكي فيرى في نضال الطوائف، نضالا يفنيها جميعا حتى يرد الامر كله للعمال، بعض ماتحتمه الطبيعة. ومادام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعيا، فالنظال بين الامم طبيعي كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف. من ثم كانت فكرة القوميات أثرا محتوما بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي. أما ونضال الامم في سبيل المال طبيعي، أما والاستعمار لذلك طبيعي أيضا، فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟ لقد شهدنا في هذا القرن المتم للعشرين المسيحي ومانزال نشهد البينات على ان السلام في عالم هذا اساس حضارته حلم لا سبيل الى تحقيقه، وأمنية معسولة ولكنها سراب مكذوب.

" تقوم الحضارة الاسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية فهي تقوم على أساس روحي يدعو الانسان الى حسن ادراك صلته بالوجود ومكانه منه قبل كل شيء. فاذا بلغ من هذا الادراك حد الايمان، دعاه ايمانه الى أدمة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، والى تغدية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مباذئ الاباء والانفة والاخوة والمحبة والبر والتقوى. وعلى أساس هذه المبادئ ينظم الانسان حياته الاقتصادية. هذا التدرج هو أساس الحضارة الإسلامية كما نزل بها الوحي على محمد. فهي حضارة روحية اولا. والنظام الروحي فيها هو اساس النظام التهذيبي وأساس قواعد الخلق. و المباذئ الخلقية هي أساس النظام الاقتصادي، فلا يجوز أن يضحي بيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٥٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٥٨٩