هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط" فشهود الشهر معناه العلم به بمعنى إن كل من علم الشهر برؤية نفسه أو برؤية غيره في مصره أو في غير مصره وجب عليه الصوم إلا من كان مريضا أو مسافرا وعلى قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، وهو عام في كل مخاطب وعمومه أظهر من غيره.
قال أبو بكر الرازي فان قيل قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته يوجب اعتبار رؤية كل قوم في بلدهم دون اعتبار رؤية غيرهم في سائر البلدان، ويدل على ذلك اتفاق الجميع على أن على أهل كل بلد أن يصوموا لرؤيتهم وان يفطروا لرؤيتهم وليس عليهم انتظار رؤية غيرهم فثبت أن كلا منهم مخاطب برؤية أهل بلده دون غيرهم، قيل له معلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته عام في سائر أهل الأفاق وانه غير مخصوص بأهل بلد دون غيرهم.
وإذا كان كذلك فمن حيث وجب اعتبار رؤية أهل بلد في الصوم والإفطار وجب اعتبار رؤية غيرهم أيضا.
وأما الاحتجاج باتفاق الجميع على أن على أهل كل بلد اعتبار رؤيتهم دون انتظار رؤية غيرهم فإنما ذلك عندنا بشرط أن لا تكون رؤية غيرهم مخالفة لرؤيتهم في حكم العدد فكلفوا في الحال ما أمكنهم اعتباره ولم يكلفوا ما لا سبيل لهم إلى معرفته في ذلك الوقت فمتى يتبين لهم غيره عملوا عليه كما لو حال بينهم وبين منظره سحاب أو ضباب وشهد قوم من غيرهم أنهم رواه قبل ذلك لزمهم العمل على ما خبرهم به دون انتظار رؤية غيرهم فإنما ذلك عندنا بشرط أن لا تكون رؤية غيرهم مخالفة لرؤيتهم في حكم العدد فكلفوا في الحال ما أمكنهم اعتباره ولم يكلفوا ما لا سبيل لهم إلى معرفته في ذلك الوقت فمتى يتبين لهم غيره عملوا عليه كما لو حال بينهم وبين منظرة سحاب أو ضباب وشهد قوم من غيرهم أنهم قد راوه قبل ذلك لزمهم العمل على ما أخبرهم به دون ما كان عندهم من الحكم بعدم الرؤية انتهى.
وإذا رجعنا إلى مذاهب الفقهاء المأثورة وجدنا أن الحنفية والحنابلة وجمهورا من المالكية وطائفة من الشافعية يعممون هذا الحكم في سائر أهل الأرض ويجعلون رؤية الهلال في أي بلد الإسلام سببا لوجوب الصوم على الجميع.
قال الإمام النووي في شرح المهذب نقل ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهوية انه لا يلزم غير بلد أهل الرؤية، وعن الليث والشافعي واحمد يلزم الجميع قال ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكا وأبا حنيفة.
وهذا كان قبل أن تتقدم وسائل النقل وتتوافر في العالم وأما الآن فان البلاد أصبحت في حكم البلد الواحد فلا مشقة أصلا في الحصول على الأخبار والتقاطها وقد قال عبد المالك بن الماجشون أن البلاد إذا كانت بإمام واحد فهي كالبلد الواحد تعم فيها الرؤية.
فالتوحيد أقوى نظرا و أوضح سبيلا وأنفى للتفاقم بين المسلمين في أوقات الصيام والأعياد وفي ليلة القدر وفي يوم عرفة
وعلى ذلك فإذا كان الناس في أخر شعبان فيما يظنون فجاءهم الخبر الثابت أن اليوم من رمضان وجب عليهم الإمساك عن جميع ما يمسك عنه الصائم سواء كانوا أكلوا أو لم يأكلوا لأنه إنما جاز لهم الفطر وهم يظنون أن ذلك اليوم من غير رمضان.
فإذا علموا انه من رمضان كان عليهم الإمساك وإذا كانوا في أخر رمضان فيما يظنون ففاجأهم خبر صحيح انه يوم الفطر لزمهم الإفطار ساعة وصول الخبر بذلك كانوا في أول النهار أو في أخره.
وأما القياس الصوم على الصلاة فغير واضح إذ الصلاة تجب بمجرد دخول الوقت والصوم إنما يجب بعد زمن واسع من وقت الرؤية، وأيضا المكلف مخير في أداء الصلاة في أول الوقت أو في وسطه أو في أخره بخلاف وقت الصوم فانه بمقدار العمل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فانه بمقدار أو في وسطه أو في أخره بخلاف وقت الصوم فانه بمقدار العمل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. والله ولي الهداية والتوفيق.