تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعلوها في حوزتهم وتحت تصرفهم، فكان القياصرة حريصين كل الحرص على أن لا تفارقهم لحظة حتى أنهم كانوا يصحبونها في أسفارهم وفي حروبهم وكأنهم بهذا يعدمون الثقة في أي احد يتركونها لديه، فالقصير كان يفضل حملها معه مهما كان الأمر ولو بتدميرها.

لقد سلكت ملوك العالم نفس الطريقة وتشبثت بها عبر العصور فكان الملك هو المتصرف فيها ولا يأتمن احد غيره عليها.

وفرنسا أيضا كغيرها من الدول كانت خاضعة لهذا النظام إلى أواخر القرن الثاني عشر المسيحي أي حوالي سنة 1194، عندما انهزم الملك فليب أوجيست ( Philippe Auguste) في واقعة فريتيفال ( Fretival) وترك الوثائق وطابع ملكه لقاهره ريشارد كور دوليون «قلب الأسد «( Richard Cœur de Lion) وكانت هذه الهزيمة خسارتها فادحة على فرنسا لا من المتاع والرجال فحسب بل من الوثائق التي كانت صحبة الملك، وعلى اثر هذه الصدمة اضطرت فرنسا أن تنسخ كل ما ضاع لها في هذه الواقعة متى استطاعت أن تجد منه شيئا محفوظا بالكنائس أو مؤسسات أخرى وكانت الأديرة والكنائس تذخران بدورهما الوثائق. فقرر منذ ذلك الحين وضعها نهائيا بمقرها الدائم. «قصر لوفر» - المتحف الحالي بباريس- واقفل عليها في صناديق خشبية ولقبت آنذاك: بالوثائق الملكية ثم صدر مرسوم بعدم السماح بإخراجها أو نقلها من مقرها مرة أخرى وكان هذا سبب في الاحتفاظ بكنز الوثائق في فرنسا التي تفتخر به الآن بين الدول ثم تنوه بصانعه أكثر مما تفتخر بالوثائق نفسها حيث الفضل يرجع لمن صانها وحافظ عليها، فأخرجها من العدم إلى الوجود بعدما كانت عرضة لكل خطر وأصبحت فرنسا اليوم - التي عرفنا ذخائرها- تحتل مكانا مرموقا بين صفوف الأمم الراقية إن لم أقل في طليعتها.

اعتناء الكنيسة بالوثائق

لقد لعبت الكنيسة دورا هاما في شتى الميادين، وكانت تستمد نفوذها من الدين لتسيطر على السياسة والحكم اللذين هما من شؤون الملك والدولة وكانت تكسب بذلك سطوة في الحرب والسلم رغم وجود دولة على رأسها ملك، فهي التي تنصب الملك وأعضاء الحكومة وترسم لهم الخطط الإدارية وتتدخل في الشاذة والفاذة إلى أن قامت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، وجردت أسرة الكنيسة من النفوذ التي كانت تحتكره وتسخره لاستغال السلطة المطلقة واستعباد الشعب. واقتدت دول الغرب المسيحية بفرنسا وثارت بدورها فتخلصت هي أيضا من حكم الكنيسة وسيطرتها.

ومن المعلوم، أن الكنيسة كانت منذ قرون سائدة بسلطانها ولها إدارة فوق دولاب الدولة كما كانت بيدها نفوذ وميزانية ومقررات رسمية وسرية ثم مستندات منظمة جمعت كل فن ومطلب كما هو موجود ولازال إلى حد الآن بالفاتيكان « Vatican » وكانت الكنائس مصونة من كل خطر أجنبي أو اعتداء ثوري داخلي، فلا يلحقها أي سوء سواء في الحرب أو في سلم لكون أوروبا تتدين بالمسيحية وسكانها يحترمون الكنيسة فلا يسطو عليها أي مسيطر مهما كان طغيانه ولو كان لادينيا، ولذلك نجت وثائق الكنائس من التهب والتدمير بالنسبة لما حدث في مؤسسات أخرى.

وإذا ما وقع ضياع وثيقة في مكان ما وجد نظيرها

وعند قيام الثورة بفرنسا صدر مرسوم يأمر بتأميم الوثائق أينما كانت لفائدة الدولة والشعب. ووجد بدور الكنائس نفائس لا مثيل لها وعددها قد يصعب تحديده أو إحصاءه من فنون وعلوم وتاريخ زد على ذلك رسوم عقار الكنيسة والأملاك الموهوبة من ذوي الأريحية في سبيل البر والإحسان، ولقد استفادت الدولة والأمة بكثير من هذه الأوراق التي كانت كالسيل الجارف وبرزت منها حقائق عن التاريخ كانت مجهولة من ذي قبل.

ولهذا البحث صلة سأبعثها إليكم عما قريب بحول الله.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٩٩