والاب الروحي، ولهذا عندما يواجه المشاكل فانه يواجهها متأثرا بما يوحيه إليه "جهاز الضبط والتوجيه" لابما علق بنفسه من أفكار غامضة وغير مركزة عن خالق ذلك الجهاز وقليل هم الذين نجوا من تأثير ذلك الجهاز ومهما يكن من شيء، فان فكرة ابعاد الدين الإسلامي عن مجال الحياة المغربية غريبة، وغريبة جدا تعافها النفس المغربية وتحاربها سلبيا أو ايجابيا وان بدا للبعض أن افكاره "التقدمية" تلقى ترحيبا في الأوساط، فإنما هو واهم، لأن النفسية الشعبية هي التي تتحكم في قبول الفكرة أو فضها، وقد عودنا التاريخ المغربي أن نرى نجاح الفكرة الإسلامية وفشل الكفر والدجل، بل ان المتتبع للحوادث التي جرت اخيرا في مغربنا ليتيقن كل التيقن ان الشعب المغربي من أوعى الشعوب العربية، لأنه ما زال يفرق - والحمد لله- بين الفكرة والصنم، وبين الحق والباطل، وان كل محاولة لاستغلاله، أو الانحراف به عن الجادة تصادف مقاومة ثم فشلا، وها نحن اليوم نشاهد بعثا اجتماعيا جديدا قد يبدو للبعض مفاجئا، انها قوة الاسلام تتحرك في الاوساط الشعبية بعد ان حست بالخطر الداهم، انها قوة الايمان تتطلع بعد أن سيقت خطواتها بعيدا عن الاسلام، انها النفسية المغربية تعبر عن حقيقتها الخالدة ... عن ضرورة التمسك بالدين والرجوع اليه، وسيادة الشريعة الاسلامية.
ولكن هل يكفي أن تنبعث هذه القوة؟ وهل نتفائل لفشل دعاة الضلال؟ وهل نصفق لان الشعب ابتدأ يتحسس طريقه الذي طمس له؟ أن هذه الظاهرة الطبيعية الخالدة تدعو المؤمنين بالفكرة الإسلامية أن يكونوا أكثر يقظة وحزما، وأن يعدوا العدة لاستغلال تلك القوة وتغذيتها وقيادتها قيادة مخلصة مؤمنة وحمايتها من الاخطار المختلفة التي تندفع نحوها لتحطمها بشتى الوسائل والخطط، وأخطر ما تصاب به الدعوة الإسلامية، ان يتسم أصحابها بالانحراف وبالأغراض الشخصية، أو بالسطحية والضحالة الفكرية، أو بالارتجال والتهور، فالقضية تحتاج الى اختيار الدعاة اختيارا دقيقا لهم ماض شريف، وضمائر حية وقلوب مؤمنة، وثقافة واسعة ومرونة ولباقة، وان تكون الدعوة خاضعة لخطط مرسومة، ودراسات محكمة مدروسة، بعيدة عن العقد النفسية والاهواء الشخصية، والتوجيهات الاعتباطية فان استطاع المغرب أن يظهر بقيادة ثقافية اسلامية رشيدة، فانه يكون قد وفق الى أهم الشروط الدعوة.
ولكن يجب أن نعلم أيضا، أن الدعوة الاسلامية تمثل خطرا عظيما على الاستعمار وخططه، لان من طبيعة الاسلام العزة والقوة واباء الضيم والهواء، وهذا ما لا يرضاه الاستعمار، بل انه ليخشى ان تنتعش الروح الاسلامية، لانها خطر حتى على بلاده: واخوف ما يخافه الاستعمار ان تتبلور الفكرة الاسلامية في المغرب وان تشيع بين شبابه، لان بذلك سيصبح المغرب رائدا افريقيا، وقائدها نحو الخير والحضارة، وغير خاف أن الشعوب الافريقية عموما تتطلع الى المغرب كمنقذ ديني، ورائد اسلامي، فمسؤوليات المغرب الاسلامي لا تقتصر على نفسه فحسب، وانما تتعاهدها الى افريقيا الواقعة تحت سيطرة الكفار واخطار المبشرين.
فالفكرة الاسلامية هي اقوى رباط يربطنا باخواننا الافارقة وأعظم سند نستند عليه في قيادتنا للشعوب الافريقية فان نحن اردنا مركزا لائقا عن غير هذا الطريق فقد استهدفنا السراب.
فالمعركة بيننا وبين الاستعمار خطيرة، تتطلب منا تضحيات عظيمة وصبرا متواصلا، واولى بقيادة هذه المعركة علماء الاسلام في المغرب، واني متفائل بان الدعاة المؤمنين سيجدون وسائل مهمة لنشر دعوتهم كما سيلقون تجاوبا من الشعب وبذلك يحقق الله لهذه الامة اعز ما تصبو اليه، سيادة الاسلام «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا».