تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ان الله قد أنزل اليكم كتابة لتقرأوه وتتدبروا آياته وتعرفوا طريقه الذي بسلوكه تقضون حياتكم وفق مرضاته، ولمن هل سعيتم فقط لتعرفو ما في هذا الكتاب؟ وهو قد ارسل اليكم نبيه ليعلمكم الكتاب ويرشدكم الى طريق الاسلام، ولكن هل بذلتم جهدا قط لتعرفوا ما قد علمتم هذا النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ وهو قد اوضح لكم طريق العز في الدنيا والآخرة ولكن هل تسلكونه؟ وهو قد بين لكم بكل تفصيل ماهي الاعمال التي تذل الانسان في الدنيا وتدخله النار في الآخرة، ولكن هل تجتنبونها؟ اذا كنتم تعترفون بانكم لم تأخذوا شيئا مما علمكم كتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا اتبعتم الطريق لذي أرشدكم اليه، فمتى كنتم مسلمين حتى تنالوا أجرهم؟ ليس اجركم في الدنيا الا على قدر اسلامكم ولا تلوموا الا أنفسكم اذا لقيتم مثله في الآخرة.

قد بينت لكم من قبل أن الفرق الحقيقي بين المسلم والكافر لا يأتي الا من جهة العلم والعمل وحسب، ولكن اذا كان علم رجل وعمله مثل علم الكافر وعمله، فعلى أي أساس يقول «اني مسلم» ان الكافر لا يقرأ القرآن ولا يعرف ما فيه، فلماذا يكون مسلما؟ ان الكافر لايعرف ما هو تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الطريق الذي أرشد اليه للوصول الى الله، فاذا كان المسلم أيضا يعرف ذلك كما لا يعرفه اتلكافلر، فكيف يزعم نفسه مسلما؟ ان الكافرلا يطيع الله وانما يتبع هواه، فاذا كان اللمسلم ايضا لا يطيع الله ويتبع هواه وكان غافلا عن ربه وعبدا لشهوات نفسه، فهل له من حق في أن يعد نفسه مسلما أي متبعا لله ومطيعا لاحكامه، ان الكافر لايميز بين الحلال والحرام ويميل إلى كل عمل يجد فيه لنفسه لذة او فائدة، سواء اكان حلالا عند الله تعالى او حراما، فاذا كان المسلم ايضا لا يفرق بين الحلال والحرام مثل الكافر، فاي فرق هناك بينه وبين الكافر؟ وجملة القول أن المسلم اذا كان بعيدا عن الاسلام ويعمل في حياته ما يعمله الكافر، فأي شيء هناك يفضله عن الكافر ويجعل عاقبته أحسن من عاقبته؟ هذا ما ينبغي أن تتفكروا فيه بكل جد واهتمام.

اخواني الاعزاء لا يذهبن بكم سوء الفهم الى أني قد قمت بين أياديكم لتكفير المسلمسن. لا، فاني أريد لا أريد ذلك أبدا. وانما أتفكر وأريد من كل واحد منكم ان يتفكر: لماذا قد ابتعدنا عن رحمة الله؟ ولماذا تنزل علينا المصائب من كل جهة؟ ولماذا قد استولى علينا الذين نقول أنهم كفار أي عاصون لله تعالى وخارجون على أحكامه؟ واقول بالنسبة لنفسي على الاقل أني كما ازددت تفكرا في هذا السبب، ازددت يقينا بأنه لم يبق الفرق بيننا وبين الكفار الا من جهة الاسم فقط، والا فلسنا اليوم أقل منهم بعدا عن الله وجرأة على معاكسة أحكامه وانتهاكا لحرماته، وهذا الفرق اليسير الذي يوجد بيننا وبين الكفار لا نكاد نستحق عليه أجرا عند الله، بل نستحق عليه العقاب والزجر. لاننا نعرف أن القرآن كتاب الله ثم لا نعامله الا بما يعامله به الكفار. ونعرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله، ثم نفر عن اتباعه كما يفر عنه الكفار. ونعرف ان الكاذب عليه لعنة الله والراشي والمرتشي عاقبتهما النار وأن الذي ياكل الربا يرتكب جريمة ليس بعدها جريمة، وان غيبة الانسان لاخيه الانسان كانه ياكل لحمه ميتا، وأن الزنا والفاحشة من اكبر الذنوب وأقبحها، ولكن على رغم علمنا بكل ذلك، نفتقر جميع هذه الاعمال والجرائم بكل حرية كما يقترفها الكفار، كاننا لا نخاف الله ولا نقيم وزنا لحسابه يوم القيامة. فهذا هو السبب في أننا ان كنا على شيء من الاسلام بالنسبة للكفار في ظاهر الامر، فاننا نلاقي عليه العقاب بدلا من ان نستحق عليه أجرا في الدنيا والاخرة. ان غلبة الكفار واستيلائهم علينا انما هو عقاب نذوقه من الله في كل مكان في الارض على جريمة عدم معرفتنا بنعمة الاسلام والقيام باداء حقها.

اخواني! ان ما بينته لكم في هذه الخطبة، ما بينته حتى الومكم، وانما اردت به أن احثكم على استرداد ما علمه وعلم قيمته. فاريد أن أوقظكم من سبات الغفلة، لانكم اذا انتبهتم وعرفتم أنكم فقدتم شيئا ثمينا كان فيه سر عزكم ومجدكم الى الأمس فانكم ستفكرون في استرداده.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٥٧