تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو رفع هذا الخلق الذي يردع النفوس عن ارتكاب الرذائل ويبعثها على التحلي بأجمل الفضائل لكان للحياة الإنسانية وجه غير وجهها الإنساني الجميل وفي هذا المعنى قال الشاعر:

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستحيي فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

فإذا انتقلنا من النظريات إلى واقع الحياة لنرى نصيب الأمة العربية من هذا الخلق الكريم نجده ضئيلا يكاد ينطمس رسمه ويعفو أثره، فقد امتلأت الصحف اليومية ببيان أمراضنا الدينية والاجتماعية فانحلال أخلاق الإسلام في الوسط المغربي ظاهرة بارزة للعيان، وشرائعه وحدوده كادت تصير في خبر كان، ناهيك بعدم وجود تشريع في المحاكم يعاقب بموجبه من ينتهك ركنا من أهم أركان الإسلام وهو الصيام، فيتحدى الهادم لهذا الركن الإسلامي شعور جمهور المسلمين بالفطر جهارا في رمضان وناهيك بعدم تطبيق تشريع العقوبات على شاربي الخمور ومروجيها، وبشيوع الزنى شيوعا اقلق بال الأمة مع إهمال المسؤولين للتفكير في محاربته وقطع دابره وهذا الإهمال حاصل مع جزء الشبان الفساق في الشوارع على انتهاك حرمة النساء بالتعرض لهن بمختلف أنواع الإغراء وناهيك بانتشار القمار ونصب موائده في كل جهة ومكان، كأنه عمل مشروع، وليس رجسا من عمل الشيطان وبالسخرية بالمقدسات من الذين يسمون أنفسهم بالتقدميين، هذا بالإضافة في المعاملة، وتكالب الجماهير على جمع الحطام من غير مبالاة بكونها من الحرام فالغش في الصناعات والتطفيف في الكيل والميزان وكثرة الحلف في كل المعاملات لترويج السلع بالزور والبهتان ميدان خاضه الأكثر إلا بقية ممن عصمهم الله عرفوا بالاستقامة بين جميع الأصناف التي ذكرنا فصاروا محل ثقة الجمهور المؤمن وكل هذا ناشئ من ضعف خلق الحياء أو فقدانه فما هو الدواء لعلاج هذه الأمراض الدينية والاجتماعية!

كثير من الناس يوجهون المسؤولية إلى علماء الدين حيث لم يقوموا بإرشاد الناس وتعليمهم أمور دينهم ويردون فساد الأوضاع الدينية الاجتماعية إلى كثرة جهل الناس بأمور دينهم وأمور دنياهم وفي نظري أن بيان العلماء لا يكفي رغم اعترافي بإهمال الكثير منهم للواجب الملقى على عاتقهم بل لابد مع بيان العلماء من تطبيق قانون صالح صارم يحمي المجتمع من هذا الانحلال ويبعث الثقة في النفوس بالمبادئ المثلى في العدالة فيقع الضرب على كل أيدي العابثين بحقوق الناس.

فإذا ظهرت على موظف ثروة خارجة عن إمكانيات راتب وظيفته، أو وجد يحيى حياة المترفين التي لا يحياها امتثاله فلابد من تطبيق قانون من أين لك هذا عليه، حتى تستقيم أحوال جميع الذين يتخولون في مال الأمة بغير حق وكذلك من محاربة المنكرات المعلومة من الدين بالضرورة وحماية المجتمع من أضرارها بتشريع كفيل يسد به هذه الحاجة الملحة وإذا وجد المستهترون بالأخلاق والمتحدون للقيم الإنسانية التي هي قوام المجتمعات البشرية المتحضرة المتدينة فلا بد للأخلاق ممن يحميها بقانون عادل وتطبيق شامل لأن فقدان الأمة لأخلاق خروج بها عن إنسانيتها على ميدان الهمج والإباحة والفوضى، وبالتالي فقدان الروابط التي تحفظ كيان الأمة وإذا جد من يسخر بمقدسات الأمة وبدينها الرسمي فلا بد من عقاب رادع يردعه وأمثاله، حفظا لقداسة الدين ومكانته في نفوس المؤمنين من عبث الملحدين وقد كان القانون الرادع طوال عهود الإسلام هو قتل المرتدين بعد استتابتهم عملا بقول الرسول: من بدل دينه فاقتلوه وتأديب وتعزير من قارب الارتداد عن الدين ونشر الضلالات بين المسلمين.

وقد كتب إلى بعض القراء يقول أن الموعظة وحدها لا تكفي فلا بد من القصاص وإقامة الحدود الشرعية وإني أجيب هذا القائل بأني متفق معه ولكن الرسول يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وإني لا أستطيع التفسير باليد لأن الرسول وقت ضعفه بمكة لم يستطع تحطيم الأصنام التي كانت فوق ظهر الكعبة حتى جاء نصر الله والفتح فدخل مكة ونكس الأصنام وهذه هي سنة الحياة وحسب مثلي أن يقول ما يعتقده حقا، وينبه المسؤولين إلى الواجب ناصحا لأن الرسول قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم، وهذه النصيحة هي مهمة كل مؤمن مخلص وبكثرة الناصحين والسامعين للنصيحة تصلح حال المسلمين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

أبو عبد الله

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٩٩