تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 18

الإسلام الدائم الخالد

للأستاذ: التهامي الوزاني التطواني

نحن في سيارة تنهب بنا الطريق نهبا وكانت المسافة ما بين الرباط وتطوان طويلة والطول كل شيء ممل، ولا نريد أن نستسلم للنوم لأنه حالة يجوز أن تنتقل إلى السائق، ذلك لأن الغريزة تحرك الغريزة فإذ تجلت سجية الطمع أخرجت سجاياه في مختلف النفوس رؤوسها وكذلك سجايا الكرم والبغض والحب والبكاء والضحك، ولا نؤيد لسائقنا أن تأخذه سنة أو نوم لأن أرواحنا أمانة في يديه. فيلكن يقظا حذرا وعاينا أن نساعده على تأدية علميته مثل ما يلزمنا أن نشجع العالمين للخير على أن يمضوا في خطتهم. وأخذنا نتنقل من حديث إلى حديث ومن موضع إلى موضوع ولا نبالي بأن نقع على غث و سمين مادام القصد هو إزالة الملل وإيناس السائق الجاد العاكف، ووصلنا إلى موضوع الدين وما أصبح به مهددا في النفوس الحائرة بعد أن أخرجت الأدمغة أثقالها وبعد أن استحكمت المادية الجامحة فحاولت أن تخضع كل شيء لإرادتها مثل ما حاول الدين، أن يخضع كل شيء لإرادته. وأمر المادية والدين كسائر العوارض دولة بين هذا الجانب وذلك وما دام التاريخ ماضيا في طريقه لا يوفقه شيء وما دامت صورة تتلون وتتغير فكل ما يمكن أن نقوله عن الشر أنه لابد منته ومن الضروري أن نقول في مرحلة الخير أم من المؤسف حقا أن الخير لن يبقى لان الزمان ماض في طريقه لا يقف لخير ولا لشر ولا يتحرك لخير ولا لشر.

وقال صاحبي الشاب أن الشباب في العالم لم يبقوا في نفوسهم يحملون للأديان من الإجلال ما كان يحمله لها آبائهم وأنهم في خطتهم الجديدة ماضون في طرق تصاعدية فلكما مر يوم أحسن من سابقه فيما يرجع للقيم الأخلاقية. وهذا مصداق لما ورد (كل يوم ترذلون) ويوشك الناس أن يتحرروا من الذين حتى لا يبقى منه إلا كباقي الوشم في ظاهر اليد.

فقلت لصاحبي ما يهدد الأديان اليوم ليس بأهول ولا بأفظع مما كان يهددها أمس فبالأمس كانت الخرافة وكانت الدار الآخرة تباع بمبلغ من المال محدود وكان يكفي المسرف على نفسه أن يتصدق بصدقة على أحد الدجاجلة لكي يضمن له النجاة من النار والخلود في الجنة ولو أكثر من كل موبقة. وهذا ليس بالدين الذي أمر الله به. أما اليوم فإن الشبان ينظرون إلى الدين بنظرة أجل مما كان ينظر إليها به من ذي قبل بسبب ارتفاع مستوى التعليم وتعمق الشباب في مظاهر الحياة الاجتماعية وما لمجموعها من تأثير على إقامة نظام محكم يضمن اطمئنانا وراحة. فأنا أحسب أن دين الناس اليوم أمكن من دينهم بالأمس لأنهم ربطوه بالحياة ولم يبق شأنه ما بعد الموت. وإذا استمر التعليم في طريقه التصاعدي فإن نتيجة ذلك سيكون توسع أفق النظر السديد. وسوف يجد لولوا الألباب الدين دعامة أساسية لإقامة النظام الاجتماعي وعلى فرض أنه لم يكن دين فلابد من فرض نظام للمجتمع يحمل في النفوس القداسة التي كانت للدين حتى يتمكن الإنسان من أن يحيا حياة تتفق مع الواقع ولا يمنعنا مانع من أن نقول أن الحيوانات غير الإنسان ذات دين أيضا فهي تغار على إناثها وهي تحرص على بقاء أوكارها وأعشاشها وهي لا تزال دائبة في تربية أولادها فلها نظامها الفطري الذي وجه الإنسان الأول فاتجه إلى فكرة الدين وأحطها بهالة من التقديس والإجلال وكان من آثار ذلك أن سارت فيه النفوس الطيبة الكريمة فوصلت إلى العنصر الذي بعث الفطرة على النظام وإقامة بناء محكم ليعيش على رأسه المجتمع الصالح إلى أن أدتها خاتمة المطاف إلى أن للكون مدبرا للخلق الخير ويمدهم بجنود من عنده ويهديهم ويرشدهم عن طريق الوحي. ولو هدمنا فكرة الدين لهدمنا فيها تعاليمه الفاضلة فأصبحت الزوجات حقا مشاعا بين المجتمع في آن واحد لأن الذي كان يحترم قوانين الزوجيات هو الدين وقد خفت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٢٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٢٨٠