التحف طريقه إلى الكنائس والقصور حيث استقر هناك في حرر أمين بعيدا عن عبث العابثين وكأنما شاء القدر أن يبقى على هذا التراث لكي نجد فيه شاهدا صادقا على سمو الفن الإسلامي وبلوغه ذروة النضج الفني.
الخط: ويعتبر فن الخط من أهم الميادين الفنية التي تجلت فيها عبقرية الفنان المسلم بلجلى صورة، فقد ابتكر ذهنه الخلاق طرزا شتى للكتابة لم يستوح فيها فنا من فنون الأمم السابقة عليه ولا استلهم عنصرا من عناصر الزخرفة التي كانت معروفة للدول التي خالطها أو أخضعها لسلطانه بل ابتدع هذه الطرز فأتقن الإبداع وابتكرها فأجاد وأحسن الابتكار وأطلق العنان لخياله فلم يخذله خياله الخصب.
وليس ثمت فن استخدم الخط في الزخرفة بقدر ما استخدمه الفن الإسلامي، ذلك أن حروف الخط العربي أصلح من غيرها لهذا الغرض بما فيها من استقامة وانبساط وتقويس فيسهل وصل الخطوط العمودية والأفقية فيه بالرسوم الزخرفية الأخرى وصلا يتجلى فيه الاتزان والإبداع والجمال وقد أعجب به الغربيون وقلدوه، ونقلوا بعض عباراته نقلا صادقا دون أن يعرفوا ما تحمله من المعاني، ولم يمنعهم جهلهم هذا من أن يتخذوا من هذه العبارات أداة لزخرفة مصنوعاتهم (انظر صورة الصفحة القادمة).
ومن الأدلة القديمة على معرفتهم شكله وجهلهم قراءته هو ذلك الدينار الموجود في المتحف البريطاني وكان قد أمر بسكه الملك أوفا الذي كان يحكم مملكة مرسية MERCIA بالجزائر البريطانية في العهد الانجلوسكسوني، ويحمل على أحد وجهيه كتابة كوفية نصها (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وعلى الوجه الآخر (عبارة لاتينية) نصها ( Offa Rex) وحولها كتابة عربية يظهر فيها تاريخ القطعة الأصلية (157 هـ) كما نجد على حافة نفس الدينار عبارة (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) والمعروف أن هذه هي العبارة التي كانت تنقش على العملة الإسلامية منذ عصر عبد الملك ابن مروان أول من ضرب النقود الإسلامية الخالصة ولم يأت بعد هذه العملة نظير لها على مثالها ولكنها في الوقت نفسه توقفنا على مدى انتشار العملة التي أخرجتها دور السكة الإسلامية.
وفي المتحف المذكور مثال آخر لاتصال الغرب بصناعة الشرق يظهر في صليب أرلندي مطلي بالبرنز البراق من القرن التاسع الميلادي كتب في وسطه على الزجاج بالخط الكوفي عبارة عربية هي (باسم الله).
والمهم أنه في تلك الحالتين لا يمكن أن يكون الصناع الأروبيون قد أدركوا معنى العبارة لتي نقلوها وذلك لنتافرها مع عقيدتهم الدينية لأنه لا يحتمل أن توضع مثل هذه الكتابة الإسلامية البحتة على عملة ملك مسيحي أو تنقش على شارات مسيحية مقدسة لو أن الصناع أو الملك كانوا يعرفون معناها ويفهمون مدلولها، ولكنه الفن الإسلامي كما يتجلى في الكتابة الكوفية.
ومنذ ذلك الوقت اخذ نقل الحروف العربية والزخارف الإسلامية يزداد انتشار على كل أنواع التحف الأروبية من خزف وعاج ومنسوجات وغيرها ولقد كان تصوير الحروف رديئا أولا حتى أنك تشعر لأول وهلة أنها كتابة عربية فإذا دققت النظر فيها لم تجدها كذلك.