تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا انتم ميزتم بين الحق والباطل بما آتاكم الله من العقل السليم، واخترتم الحق على الباطل، فقد انتهت عندئذ وظيفة عقلكم في الاختبار والنقد، وانتقلت سلطة الحكم والأمر من العقل على الله وإلى كتابه ورسوله ولم يكن لكم بعد ذلك ان تحكموا بأنفسكم في شؤونكم، بل كان عليكم ان تذعنوا لكل ما يأمركم به الله والرسول، ولكم -ولاشك- ان تستعملوا عقولكم لفهم تلك الحكام وإدراك حكمتها ووقائعها ولتطبيقها على جزئيات حياتكم، ولكنه ليس لكم ان تشكوا وتتساءلوا في أمر يأمركم به الله تعالى، وإنه سواء أأدركتم الحكمة في أمر إلهي أم لا، وسواء أطابق أمر من عند الله عقلكم أم لا، وكان ما قضى الله ورسوله به مفيدا عندكم لمآربكم الدنيوية أم غير مفيد.

وسواء أكان أمر الله ورسوله موافقا للعادات والتقاليد الرائجة في هذه الدنيا أو مافيا لها، فليس لكم في كل حال إلا أن تذعنوا له وتتبعوه، لأنكم إذا آمنتم بالله وصدقتم رسوله وأيقنتم بأن كل ما يدعو إليه رسول الله هو من عند الله لا من عند نفسه، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فمن النتيجة المنطقية لهذا الإذعان واليقين ان تؤثروا ما يقضي به الله والرسول على ما تقضي به عقولكم وألا تنتقدوا العقائد والأوامر والنواهي التي جاء بها النبي من عند الله على محك عقلكم وعلمكم وتجاربكم وأفكار سائر أهل الدنيا وأعمالهم، فالذي قال: إني مؤمن، ثم غدا يشك ويتساءل فيما يأتيه من عند الله فهو يرد بنفسه قوله وينقض بنفسه ما أبرم، ولا يعلم أن الإيمان والشك ضدان لا يجتمعان، وأن النظم عبارة عن الإطاعة والتسليم وإن الشك والتساؤل مترادف للفوضى ..

فطريقة القصد والاعتدال هذه هي (الإسلام) والطائفة التي تتبع هذه الطريقة هم (المسلمون).

إن الإسلام معناه الانقياد والإطاعة والرضا، والمسلم هو الذي يذعن لمر الآمر ونهي الناهي إذ عان رضى، فهذه التسمية بنفسها دالة على أنه لم تبعث في الدنيا هذه الطائفة الرابعة منفصلة عن تلك الطوائف الثلاث وطرقهم الضالة إلا لأن نؤمن بأمر الله تعالى ونخضع لهن ليس لهذه الطائفة أن تتبع عقلها في كل أمر ولا لها أن تعبث بأحكام الله فتأخذ منها ما وافق هواها وتدع ما خالفها، ولا لها أن تجعل كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهرها وتروح تتبع خطى الإنسانيين من الأحياء والأموات.

وهذه الحقيقة قد جاء القرآن الكريم صريحا في بابها، فهو يقول أنه إذا أتى الإنسان المؤمن أمر من عند الله تعالى فلا يكون له أن يؤمن به أو لا يؤمن كما يشاء:

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (الأحزاب: 36).

ويقول: أن يأخذ المرء جانبا من كتاب الله ويدع الآخر يفضي إلى الخزي في الدنيا والآخرة:

أفتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون (البقرة: 85) ويقول: إن حكم المؤمن في قضية ما يجب أن يكون حسب كتاب الله، وإن كان ذلك موافقا لهوى الناس أو مخالفا له: فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق (المائدة: 48) ويقول: كل من لا يحكم بحسب كتاب الله فهو فاسق. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وكل حكم يخالف كتاب الله حكم الجاهلية، أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. ويزيد على ذلك:

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي المر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول عن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا، ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إن يضلهم ضلالا بعيدا: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا .. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ... فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. (النساء: 59 - 65).

فيتضح من هذه الآيات الصريحة وجه التسمية لكلمتي (الإسلام) و (المسلم). فالآن يجب علينا نحن الذين قد كتبت أسماؤنا في سجل المسلمين أن نفكر ونرى: إلى أي حد تصدق علينا كلمة (المسلم) وإلى أي حد يصح أن تدعى الطرقة التي نحن نتبعها باسم (الإسلام)؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٦٦