وحياة كريمة، تضع بالدرجة الأولى وحدة الأمة العربية كواقع تاريخي حي لا يستطيع الواقع الفاسد الذي تحياه هذه الأمة اليوم أن يطغى عليه، ومن هذا فالتعبير يجب أن يلائم هذا الواقع محترما الكفاح الشعبي من أجل ذلك وإلا خرج عن كونه تعبيرا قوميا سليما ...
وما دامت الجماهير التي تعيش بين الأطلس، وخليج العرب، تكون أمة واحدة، هي الأمة العربية، فلا يجوز أن نطلق كلمة أمة على فئة من هذه الأمة كأن نقول: الأمة المغربية، أو الأمة العراقية، أو الأمة التونسية، هذا من وجهة النظر القومية خطأ وأي خطأ، إذ كيف يعقل بعد أن نقر بأن العرب أمة واحدة، أن نعود لنناقض أنفسنا ونقول بوجود، (أمم) عربية ...
ثم إننا إذا رجعنا إلى تعريف الأمة فإننا نجد أن هذه الكلمة تعني في المفاهيم الفقهية، والدستورية، والقومية، وغيرها، مجموعة من الأفراد يوحد بينهم الوطن الواحد واللغة الواحدة، والمصير الواحد، والتاريخ المشترك، فإذا طبقنا هذه المقاييس على الناس الذين عاشوا أو يعيشون تاريخ وآلام الوطن العربي وتكلموا أو يتكلمون لغة الضاد فإننا نجدها تنطبق عليهم جميعا وتضيق عن أن تشمل غيرهم من الناس أي ممن ليسوا عربا ...
2 - ومن التسليم بوحدة الأمة العربية تاريخيا، وحقيقة، تنشأ وحدة الوطن العربي، الذي هو المسكن الطبيعي لهذه المجموعة من البشر، والمكيف لتفكيرها وفلسفتها، والمحدد لمقدار نمائها الفكري، وعطائها الإنساني، بل إنه كما ذكرت يدخل في العناصر الأساسية لوحدة الأمة، فلا يصح إذن أن نطلق على هذه التي تحد بجبال طوروس وجبال شتكوين والخليج العربي، والبحر العربي وجبال الحبشة، والصحراء الكبرى، والمحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، غلا كلمتي (الوطن العربي) ومن الخطأ قوميا القول بوجود (أوطان) عربية، لأننا نخدش بذلك وحدة الأمة العربية، وقدسية إيماننا بهذه الوحدة إلا أنه ما دام وضع الفرقة والتجزئة قائما بين أجزاء وطن العرب، وإلى أن ينتج النضال من أجل الوحدة يبقى تعبيرنا بكلمة قطر أو الجزء المغربي أو العراقي أو اللبناني ... إلخ من الوطن العربي هو التعبير الجامع بين إيماننا بوحدة الوطن وبين العرف السائد حاليا.
هذا ما يحضرني من الأخطاء القومية التعبيرية الشائعة في الكتابات الصادرة عن المغرب، أما أخطاء الفهم التي يقع بعض كتابنا فيها فهي: في الخلط بين طبيعة القومية العربية والقوميات الأوربية التي سبقتها، وعدم الاعتراف بأن لقوميتنا تجربة جديدة مخالفة تمام المخالفة، لتجربة القوميات الأوربية، وسأحاول أن أوضح وجهة النظر العربية القومية في هذه النقطة بالذات.
فالذين يخلطون بين ما يدرسونه عن تاريخ القوميات الأوربية وبين ما تريده قوميتنا العربية لنفسها، وخاصة في المسألة الدينية، يجب أن يتذكروا بأن الحركة القومية في أوروبا ما قامت للقضاء على الاستعمار، والرجعية، والإقطاع، ومن اجل تحقيق الاتحادات القومية فقط، بل وفي كثير من الأحيان قامت، لتحطيم العبودية الكنسية وتخليص الشعوب من استغلال الكهان ... وهذا بخلاف الحركة القومية في الوطن العربي، فإنها ترتبط ارتباطا روحيا بالدين الإسلامي، باعتبار أنها تستمد خاصيتها المميزة من الروح، وتدعو في إلحاح على وضع الحلول الناجعة للأزمة الروحية التي يعاينها الشعب العربي، بل إنها هي وحدها الحركة الجدية الفعالة التي تستطيع في وقت واحد، أن تبعد الخرافيين من صفوف الشعب، وتواجه في قوة الأفكار الداخلية التي تستهدف مسخ الإرادة العربية، وإلحاقها بالمعسكر المادي الشيوعي، حيث تخبو كل إشعاعة روحية نيرة لتبقي على الإنسان العربي توازنه الطبيعي الذي دعا إليه الرسول (ص) في حديثه: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) يضاف على ذلك من الأسباب أن الوطن العربي كان مهبطا للديانات السماوية الثلاث، وأن