وقام المولى اسماعيل سنة 1693 بمحاصرة سبتة في ثلاثين ألفا من رجاله فضيق عليها الخناق دون أن ينال منها شيئا. وعندما قامت حرب الاستخلاف باسبانيا سنة 1701 عاد المولى اسماعيل إلى تجيد المحاولة فلم يكتب لها النجاح أيضا رغم استمرار الحصارة سبعة وعشرين عاما. كما لم تنجح المحاولات التي قام بها السلطان مولاي عبد الله سنة 1732 والمولى يزيد سنة 1790.
وعقدت بمدينة مراكش يوم 28 ماي 1767 معاهدة الصلح والتجارة بين المغرب واسبانيا. وإذا كان السلطان مولاي محمد بن عبد الله قد امتنع في هذه المعاهدة عن توسيع قطاعي سبتة ومليلية فقد اعترف بمقتضى المادة التاسعة عشرة بوجودهما وضمان كيانها.
وعلى إثر فشل المحاولة الأخيرة وقعت بمكناس معاهدة يوم فاتح مارس 1799 ثم أخرى بمدينة العرائش في اليوم السادس من نفس الشهر لسنة خمس وأربعين وثمانمائة وألف. وقد أقر المغرب في هاتين المعاهدتين الحدود السابقة لسبتة طبق المادة الخامسة عشرة من المعاهدة الأولى والمادة الأولى من المعاهدة الثانية.
وأخذت اسبانيا بعد أن نجحت في صد حملات الاسترجاع المتتالية وحمل المغرب على الاعتراف بوجود سبتة ومليلية في قبضتها والتزامه بضمان كيانهما تحرص على توسيع القطاع التابع لهما بدعوى تيسير الدفاع عنهما. وقد اتجهت السياسة الاسبانية نحو تحقيق هذه الغاية فادت إلى الحرب التي قامت منذ مائة عام والتي كان انهزام المغرب فيها سببا في قبوله لشروط مهينة منها توسيع قطاع سبتة في معاهدة الصلح المبرمة بتطوان.
كان العرف الجاري آنذاك يقضي باقتصار الاسبانيين على إقامة مراكز الحراسة في أكواخ خشبية. غير أنهم عدلوا عنه وبنوا بينا من حجر وحديد وجعلوا عليه شارة الدولة الاسبانية التي هي تاج يعلوه طيب. وغضب سكان الحدود من قبيلة أنجرة لذلك العمل فأقدموا على تدمير البيت وتلويث الشارة. وقد اشتطت الحكومة الاسبانية في الاحتجاج وطلب الاقتصاص من المسؤولين فقدمت طلبا بتنفيذ الإعدام في اثني عشر شخصا من رجال القبيلة على مرأى ومسمع من باقي سكانها وعلى مقربة من حدود سبتة حتى يكفوا في المستقبل عن مناوشة حاميتها. وكان من المنتظر أن لا تقبل الحكومة المغربية هذا الوعيد فادت هذه الاستثارة المدبرة على قيام الحرب التي عرفت بحرب السنين نسبة إلى نهايتها في هذا العام من القرن المنصرم.
تحرك الجيش الاسباني من سبتة وقوامه عشرون ألف رجل منظمين مدربين ولهم السلاح الحديث الوفير وجعل يسير محاديا الشاطئ مستعينا بحماية الأسطول البري له فتوجه نحو الفنيدق ثم إلى نجر أسمير. وقد سلك هذا الجيش طريقة الزحف بينما انتهج سكان القبائل المجاورة طريقة الكر والفر. وقد قال ابن خلدون «أن طريقة الزحف أوثق» عندما تكلم عن قتال سكان المغرب من عرب وبربر. وكان هذا الجيش بقيادة اللواء «أودونيل» واللواء «بريم» وظل تحت أمرهما منذ خروجه من سبتة إلى أن تم احتلال تطوان وإبرام معاهدة الصلح بها. وكان الجيش الاسباني يتابع زحفه على الخسائر الفادحة التي كان يصاب بها من طرف الجيش المغربي الذي كان بقيادة المولى العباس شقيقي السلطان، ولم يكن يتابع الزحف إلا بعد تحصين الأراضي المحتلة والعمل على استمالة أهاليها. وعزز زحفه بإنزال فصائل من البحر بشاطئ مرتيل فاحتل برجه ودار الجمرك به. وقد استقر عدة أيام بمدشر «القلالين» يضمد به جراحه ويركز صفوفه قبل الانقضاض على تطوان. ولما تحقق بعض المقاتلين من ظهور الإسبان عليهم انقلبوا على أعقابهم فدخلوا المدينة وعاثوا فسادا فيها بالسلب والتهب كما فعل بعض البدو من سكان احوازها فكان الاقتتال فيما بينهم مقدمة لدخول الجيش الاسباني وللشروط المرهقة التي فرضها على المغرب مقابل انسحابه. وقد كان في طليعة هذه الشروط أداء تعويضات تبلغ قيمتها عشرين مليون ريال وتوسيع قطاع سبتة وتخويل اسبانيا قطعة أرض على البحر المحيط لإقامة مركز للصيد بها.