عاد ابن الخصال لصيحته هناك هو وأبو بكر بن عبد العزيز وطائفة انضوت من حرمته إلى الحصن الحصين والحرز الحريز، وذلك لشفوف هذا الأمير على أتربه، وخفوق ذاته الراجحة في حقوق أصحابه ثم إنهم انتقلوا بانتقاله إلى سرقسطة أم الثغر الشرقي حين حلها ذابا عن أرجائها ومجاهدا لأعدائها، حلول البر التقي، وإذ حمت شهادته قافلا من غزاته في التاريخ المرسوم، كسد ما نفق في أيامه من بضائع العلوم وناصع المنثور والمنظوم فلزم أبو عبد الله داره خائفا من تلك الحقاد القديمة وراضيا بالإياب إليها من الغنيمة وفي أكثر عمره ارتد على العقب مأموله وامتد بطول مدة ابن تاشفين خموله ... إلى أن حتمت منبته بالفتنة الحمدينية فاستشهد رحمه الله ودفن يوم الحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة 570 ... وموالده سنة خمسين وقيل سنة 463».
فهذه الأطوار التي تقلب فيها كاتبنا الكبير تدل على أنه كان ذي نفس قوية وأنه لم يستعن بالعلم بل تشوق إلى الظهور عن طريق السياسة، ومن ثم شارك في ثورة ابن الحاج بقرطبة، وابن الحاج هذا هو أبو عبد الله محمد بن داود بن عمر اللمتوني أمير قرطبة من رجالات يوسف بن تاشفين وذوي السابقة في الجهاد بالأندلس، وكان قد دفع امرأة على ابن يوسف وتلكأ عن بيعته لأول ولايته سلطان أبيه ومالأه الملا من أهل قرطبة، مشيختها وفقهائها وذاك سنة 500 ثم نكب وقيض عليه وفسد تدبيره وهرب من كان معه من العيان إلى أن رضي عنه علي بن يوسف وولاه مدينة فاس وما إليها من الأعمال ثم نقله إلى ولاية سرقسطة وبلنسية من شرق الأندلس حيث استشهد سنة 508 وكان ابن أبي الخصال يصحبه في هذه المدة كلها ويكتب له، ويظهر انه صحب ابنه أبا بكر الملقب بابن يحيى قبل صحبته لآبيه وخدمه كما خدم أباه وهو الذي لقبه بذي الوزارتين كما سبق عن ابن الآبار، ثم التحق بعد ذلك بخدمة أمير المسلمين علي بن يوسف وعلى ما يفهم من أسجاع الفتح بن خاقان كان تلقيب الأمير أبي يحيى له بذي الوزارتين في حالة سكر أيام قيامهم على علي بن يوسف، وابن خاقاتن وأن نوه به كثيرا فإن كلامه عنه لا يخلو من مغامز.
وعلى كل حال فنحن نعتقد أنه بعد وفاة مخدومه الأول الأمير ابن الحاج خدم علي بن يوسف كاتبا مع أخيه أبي مروان عبد الملك كما عند (المعجب) وربما كان أخوه هذا هو الذي سعى في استدعاء أمير المسلمين له إذ يظهر من عبارة ابن الآبار أنه كان محظوظا عندهم وعالي المكانة لديهم، وإذن فقد اخطأ ابن الآبار في قوله أن صاحبنا لزم داره بقرطبة بعد وفاة ابن الحاج خائفا من تلك الأحقاد القديمة إلخ ... فإن أمير المسلمين كان قد عفا عن ابن الحاج وعن جميع أتباعه وهو منهم فلم يكن لديه ما يخاف منه ولو كان يريد الانتقام منه لما امتنع عليه، وأعظم من هذا أننا نرى عبد الواحد المراكشي في (المعجب) يذكر أنه كتب لعلي بن يوسف مع أخيه أبي مروان ولا يكون ذلك إلا بعد عطلة من العمل، وفي هذه الأثناء كتب رسالته المشهورة في التشنيع على المرابطين التي استفزت حلم أمير المسلمين فعزله عن كتابته وحينئذ يكون لزوم داره متخوفا من تلك الأحقاد على حق في هذا التخوف.
وسياق الخبر كما يستفاد من (المعجب) أن علي ابن يوسف كان قد استدعى كاتبنا فيمن استدعاهم من أعيان الكتاب الأندلسيين للكتابة عنه وأنه كان من أنبههم عنده وأكبرهم مكانة لديه كما قال ابن الآبار في أخيه لأبي مروان: «فلم يزل أبو عبد الله هذا وأخوه كاتبين لأمير المسلمين أبا مروان عن الكتابة لموجدة كانت منه عليه سببها أنه أمره وأخاه أبا عبد الله أن يكتبا عنه إلى جند بلنسية حين تخاذلوا وتوكلوا حتى هزمهم ابن رذمير لعنه الله هزيمة قبيحة (1) وقتل منهم مقتلة عظيمة فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك، وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن يحفظوها، أحسن فيها ما شاء، وقد منعني من أبرادها ما فيها من الطول، وكتب أبو مروان رسالة في ذلك الغرض أفحش فيها على المرابطين وأغلظ لهم في القول أكثر من الحاجة فمن فصولها قوله (أي بني اللئيمة وإعيار الهزيمة، إلى م يزيفكم الناقد ويردكم الفارس الواحد؟)
(1) انظر عن حروب ابن رذمير والمرابطين ما أورده كتاب القرطاس أثناء ترجمة علي بن يوسف وبالخصوص حوادث سنتي 512 و513 التي سقطت فيها مدينة سرقسطة بيد أن ابن رذمير وبلاد أخرى من شرق الأندلس، وهي الحوادث المعنية بهذه الهزيمة التي صدرت فيها الرسالة على ما نظن. وابن رذمير هو ألفونس الأول ملك أراغون.