تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المنفى، وخلا الشهر الأول الذي عقب إعلان الاستقلال صدرت ثلاث ظهائر شريفة جعلت منه حقيقة ملموسة.

وأول تلك الظهائر مؤرخ في 7 مارس 1956 أي بعد إعلان الاستقلال بخمسة أيام لا غير. وقد قضى بإلغاء السلطات القضائية المخولة لخلفاء الباشوات «لكونها حسبما جاء في حيثيات الظهير - تخالف مبدأ الحكومة المغربية الرامي إلى فصل السلطات».

وتلاه الظهير الشريف المؤرخ في 19 مارس 1956 الذي قضى بإلغاء كل مراقبة عامة أو خاصة راجعة لشؤون العدل، ثم الظهير الشريف المؤرخ في 4 أبريل 1956 بشأن تنظيم المحاكم العادية وينص هذا الظهير على مبدأ انتقال السلطة القضائية من أيدي رجال السلطة الإدارية (أي الباشوات والقواد) إلى المحاكم المذكورة، كما يحدد مهمة النيابة العامة ناصا صراحة على أنه لا يجوز لممثلها أن يسير مناقشات المحكمة ولا أن يتدخل في الحكم.

وتأكيدا لمبدأ فصل السلطات نص الظهير المذكور على أنه متى تم تنصيب محكمة عادية في إحدى الدوائر تلغى محكمة الباشا والقائد في تلك الدائرة وفي واقع الأمر لم تنته سنة 1957 حتى كان الفصل بين السلطتين قد أصبح حقيقة راهنة في المغرب كله.

غير أنه من الواجب أن يفهم فصل السلطات على حقيقة لكي لا يصبح سببا للانعزال والانكماش من جهة ومصدر للتنافس بين ممثلي السلطتين من جهة أخرى.

الغاية من فصل السلطات هي أن تتمتع السلطة القضائية باستقلال مهني في تأدية مهمتها دون أن تتأثر بتوجيهات السلطة الإدارية إمعانا في المحافظة على الحقوق الأساسية للأفراد. ولكن هذا لا يتنافى مع التعاون بين السلطتين في سبيل المصلحة العامة لا بل ان هذا التعاون أمر واجب، ووزارة العدل من جهتها ما فتئت توجه المنشورات الدورية لرجال القضاء في مختلف أنحاء المملكة حاثة إياهم على وجوب هذا التعاون، كما عقدت في عدة مناسبات اجتماعية في رئاسة الوزارة ووزارتي الداخلية والعدل ضمت ممثلين عن الوزارتين للبحث في كيفية تحقيق هذا التعاون المثمر.

ومن جهة أخرى يجب على رجال السلطة الإدارية ألا يعتبروا أن الفصل يقصد به الحد من نفوذهم أو الحط من شأنهم أو أن صدور حكم قضائي مخالف لرأيهم تحقير سلطتهم بل عليهم أن يتفهموا تطور الحياة وحقيقة الوضع الحاضر والمصلحة العليا للوطن وأخذ البلاد بركب الحضارة الحديثة التي تعتبر فصل السلطات من القواعد الأساسية التي تقوم عليها سلامة المجتمع من الظلم والاستبداد.

ثانيا -توحيد المحاكم:

يتعذر علينا في هذا المجال الضيق ان نتعرض لجميع النصوص التشريعية الصادرة منذ الاستقلال للخروج من الوضع السابق الذي قامت فيه تلك المجموعة المتنوعة من المحاكم إلى وضع موحد لا يعرف في الأصل إلا نوعا واحدا من المحاكم يطلق عليها اسم المحاكم العادية تكون هي صاحبة الاختصاص العام للنظر في جميع القضايا مهما كان نوعها ومهما كانت جنسية المتقاضين بحيث لا تبقى إلى جانبها من محاكم استثنائية إلا ما تدعو إليه حاجات استثنائية أيضا. وهذه هي الغاية التي تسعى إليها الحكومة المغربية وقد قطعت في سبيل إدراكها شوطا بعيدا، بحيث أصبحت المحاكم المسماة «بالمحاكم العادية» وهي التي أنشاها ظهير 4 أبريل 1956 هي الأصل وبقية المحاكم الأخرى هي محاكم استثنائية منها ما ألغي منها ما هو مدعو لصبح فرعا منها ومنها ما أدمج بها ومنها ما هو سائر في طريق الإدماج بها.

فالمحاكم العرفية قد ألغيت ومحاكم القضاة وهي ما كانت تعرف بالمحاكم الشرعية تسير في طريق الضم على المحاكم العادية حيث تؤلف غرفة ذات اختصاص معين وهذا الضم قد تحقق إداريا في درجة الاستئناف حيث أصبحت الغرفة الإقليمية للاستئناف تابعة إداريا للمحكمة الإقليمية. وفي طنجة أدمجت المحاكم العصرية بالمحاكم العادية وفي الشمال تقرر هذا الإدماج بظهير شريف وفي الجنوب تم إدماج المحكمة بظهير شريف وفي الجنوب تم إدماج المحكمة العليا الشريفة بمحكمة الاستئناف بالرباط التي أصبحت تشمل بنفوذها المحاكم العادية الإقليمية والمحاكم العصرية الابتدائية وأنشئ في قمة القضاء المجلس الأعلى الذي يشمل بنفوذه جميع المحاكم الموجودة بالمغرب.

وقد أصبح التنظيم القضائي في المغرب بعد إجراء هذه الإصلاحات يشتمل على المحاكم الآتي بيانها:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٦٨