وكما يوجد أيضا في أمريكا حوالي 8 ملايين أرملة، وسيرتفع هذا العدد بمعدل مليونين تقريبا كل عشر سنوات والنساء هناك بوجه عام أكثر من الرجال بنحو مليونين، كما لوحظ أن المرأة الأمريكية تعيش أكثر من الرجل بمقدار ست سنوات، ويتمكن بعض العلماء الأخصائيين بازدياد النساء القابلات للزواج لدرجة يصعب معها أن تجد الفتاة فتى تتزوجه أو تحقق رغبتها في إنشاء أسرة معه وقد نشرت جريدة الأخبار المصرية في 26/ 5/58 في أخبار حواء أنها توصلت بأكثر من مائة رسالة من أمهات وعمات وشقيقات وآباء وفتيات كلها تتضمن عروضا للزواج من مهندس في القاهرة أعلن عن رغبته في الزواج كما نشرت من قبل أن ثمانين في المائة من خريجات كلية الآداب عوانس.
وأمام هذه المشكلة التي يولونها في العالم المتحضر أكبر اهتمام نجد العالمة الاجتماعية الدكتورة ماريون لانجلر تضع حلين للتخلص من خطورتها، تقول هذه العالمة: «إن لدى المجتمع حلين ممكنين فقط لتغطية النقص المتزايد في الرجال أو إيجاد طريقة ما لإطالة أعمار الرجال». غير أن السيد جوينبورج الأمريكي لا يرتضى الحل الأول ويكتفي بالقول: «وليس من المنتظر أن نأخذ بالحل الثاني ولكن ولماذا نأخذ بالحل الثاني؟ وهل هو ممكن وعملي؟ وما نسبة إمكانه بالنظر إلى الحل الأول»، عن الكتاب المذكور يرى أن الحل الثاني هو النسب للأخذ به دون أن يبين مدى إمكانه ودون أن يخطط لتطبيقه، فلقد أملى عليه لا شعوره وعقله الباطن هذا الحل دون أن يترك له فرصة للتفكير الجدي، فالطريق الذي سلكه يكاد يكون قرين المستحيل لأن إطالة أعمار الرجال لا تؤثر على نسبة الوفيات في الأجنة وفي الأطفال وفي الطبيعة التكوينية للرجال والنساء وهو يعترف بصعوبة شديدة -وأن لم يصرح بها- تقوم في وجه هذا الحل، يقول أن الحل الثاني يتضمن تعديلا جوهريا في طريقة الحياة الأمريكية ولكنه أيضا سكت عن ماهية هذا التعديل وكيفية تنظيمه، وهكذا يسير بنا في سبل ملتوية لا تهدينا سواء السبيل المذكور لم يفهم مقصود تلك العالمة الاجتماعية، فقصدها واضح حيث ترى أن هناك طريقين لا ثالث لهما إما الاعتراف بإباحة التعدد كضرورة اجتماعية وإما طريق آخر -وهو مستحيل أو يكاد- وهو إطالة أعمار الرجال، وعلى كل حال فليس هذا هو المسوغ الوحيد لمبدأ التعدد فهناك أسباب أخرى تتطلب الحل الأول كالحروب العامة المتعاقبة والحروب الأهلية والإقليمية المستمرة، ويرى الملاحظون الاجتماعيون أن كل حرب يعقبها تحلل خلقي واستفحال الدعارة لوجود عدد هائل من النساء بدون أزواج ولأسباب أخرى لا تهمنا في هذا البحث.
ومن أسباب التعدد أيضا الطبيعة الجنسية فقد توجد في الرجل حرارة جنسية لا تكتفي بامرأة واحدة وهذه الحالة تستلزم حلا واقعيا وشرعيا وإلا عرضنا المجتمع لفساد مستطير لأن إشباع هذه القوة الجنسية لهذا الرجل لابد أن تقع خارج البيت وفي إحدى فتيات المجتمع وقد عرض علينا صاحب كتاب «الدوافع والقوى الجنسية» حالة كهذه، فلقد زار عيادته رجل لم يكن يكتفي بامرأة واحدة، ولذلك، فقد أنشأ علاقات غير شرعية بنساء غير زوجته، ومن أسباب التعدد حب الرجل إنجاب الأولاد في حين أن امرأته عقيمة، ولقد عرفت شخصيا كثيرا من هذه الحالات ولم أكن أقدر شعور الرجال في إنجاب الأولاد حتى انبسطوا معي في الحديث وكشفوا لي عن حقيقة شعورهم، غير أنه يجب الاحتياط في هذه الحالة فقد يكون الرجل نفسه مريضا ولذلك يجب أن يتحقق من نفسه طبيا حتى لا يحل مشكلة بأدهى منها.
ومن أسباب التعدد مرض المرأة مرضا يمنع الاتصال الجنسي ويمنعها من القيام بوجباتها الزوجية والزوج لا يريد مفارقتها غير أنه لا يصبر على هذا الشكل من الحياة بل يريد أن يتزوج.
ثم إن التعدد ليس نظاما بدائيا أنه لم يوجد عموما إلا في الأمم المتحضرة ولكنه يكاد يكون منعدما في الشعوب المتأخرة كما ينعدم بالمرة بين المتوحشين، فقبائل البوشمان يلتزمون الزواج من واحدة ويقول الفيلسوف الانجليزي برتر اندراسل في كتابه الزواج والأخلاق صفحة 69: «وجد بين الحيوانات أن الذكر يقتصر في الزواج على أنثى واحدة ويمتنع بمجرد الزواج عن النظر إلى أية أنثى أخرى، كما تتمنه الأنثى بمجرد زواجها عن النظر إلى غير زوجها .. فالرذيلة غير معروفة على الرغم من انعدام الدين، والغريزة تكفي وحدها فبراز الفضيلة» وهذا ما يقرره كثير من العلماء والباحثين.
وإذا لم يوجد نظام التعدد في الحضارة الغربية شرعيا فقد فرض عليهم بصورة بشعة ومدمرة للحياة