للمسرفين ما كانوا يعلمون» أي زين الشيطان بوسوسته ما كان يعلمه المسرفون من الأعراض عن الذكر واتباع الشهوات، فسمى المعرضين عن ذكر الله المسرفين، ووردت المسرفين بمعنى الذين غلب شرهم على خيرهم قال تعالى «لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وإن مردنا إلى الله وإن المسرفين هم أصحاب النار» عن قتادة أن المراد بالمسرفين هنا هم المشركون وعن مجاهد المسرفين السفاكين للدماء بغير حلها، وقبل الذين غلب شرهم على خيرهم، والظاهر من الآية هم المفرطون في ارتكاب الشرور والآثام، ووردت كلمة مسرفين بمعنى المفسدين قال تعالى «فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون» فهذه الآيات كلها ليس المراد من الإسراف فيها المعنى اللغوي مطلقا بل المراد معاني شرعية وردت فيها. فتفسير الإسراف بالمعنى اللغوي لا يجوز، لأن الله أراد به معنى آخ غير المعنى اللغوي. واظهر معاني الإسراف الشرعية وأكثرها دورانا هو إنفاق المال على المعاصي ولا يوجد في النصوص الشرعية ما يدل على أن معنى الإسراف هو الإكثار والزيادة من النفقة في المباحات والطاعات وأما الآية التي أوردها الأستاذ أحمد مظهر العظمة وهي «وأتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» فإن معناها لا تزيدوا عن حق الزرع يوم حصاده بل أعطوا حقه وهو ما فرضه الله وهو العشر إن سقيت الأرض بماء المطر ونصف العشر إن سقيت الأرض بآلة سقي. ولا يمكن أن يكون معناها لا تتجاوزوا الحد بعمل الخير، فلو أخرجوا بالزكاة ثم تصدقوا تطوعا بما شاؤوا فإنه يكون على فهم الأستاذ العظمة عملهم حراما، لأن الآية تفيد حرمة الإسراف. إذ هي نهي عن الإسراف مقرون بقرينة تدل على أنه طلب تركه طلبا جازما وهي قوله «لا يحب المسرفين» أي يبغضهم، وهذا قرينة تدل على الجزم، وتحريم إعطاء الصدقة فوق إخراج الزكاة أمر قضى لمصادمته للشرع، ولأنه تحريم لما أمر الله به فضلا عما أحله، وأباحه، والصواب ما ذكرناه من معنى الآية وهو أخرجوا زكاة الزرع يوم حصاده ولا تزيدوا عن الحق المفروض فيه فإنه حرام عليكم أن تتجاوزوا ما أمر الله به.
على أن الله تعالى حين أباح لنا الأكل والشراب وغير ذلك جاءت إباحته عامة ومطلقة قال تعالى «كلوا من طيبات ما رزقناكم» وقال «كلوا واشربوا من رزق الله» وهذا كلام عام غير مقيد بكمية ولا بحد، فالإكثار منه يدخل تحت النص ولا تعتبر إسرافا، وأما قوله تعالى في سورة الأعراف «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» فإنه ليس قيدا للأكل والشرب، أي لا يعني أن لا تكثروا من الأكل والشرب المباح، بل هو نهى عن الكل والشرب مما نهى الله عنه أي كلوا واشربوا ولا تتجاوزا ما أحله الله لكم، وهو يتضمن معنى لا تنفقوا على ما حرم الله، ولا يعني مطلقا لا تكثروا من الإسراف بعد المر بالأكل والشرب، والأكل والشرب مهما أكثر منه الإنسان فليس بحرام، فيتعين أن يكون نهيا عن أكل وشرب ما نهى الله عنه، وأيضا فإن هذه الآية جاء بعدها مباشرة إباحة عامة للزينة والطيبات فالآيتان هما «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق» وهذا يعين أن الإباحة عامة في جميع المباحات، وإن المستثنى منها هو ما نهى الله عنه.
ومن ذلك يتبن انه يجوز للمسلم أن ينفق في المباحات وعلى الطاعات ما شاء من الإنفاق ومهما بلغت كثرته، فله أن يقتني عشر سيارات وان يسكن في قصور وان تكون له عشرات البدلات والثياب وان يهدي أغلى الهدايا بأكبر مقدار وان يتصدق ما أراد من الصدقات مهما بلغت ولو كانت ملايين الدنانير ما دام قارا على ذلك مالكا له وما دام إنفاقا في المباحات والطاعات وكل ذلك لا يعتبر إسرافا ولا يوجه من الوجوه، فحسب بل أجازها الله في المكرهات أيضا، حتى أنه لو أضاع ماله ورماه ولم ينفقه على شراء شيء لا يكون حراما بل يكون مكروها فقط لقوله عليه السلام «كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» فإذا كانت إضاعة المال مكروهة كراهة فكيف يجعل إنفاق المال في المباحات والطاعات حراما ويقال عنه إسراف بالمعنى الشرعي؟ ألا يكون ذلك تحريما للمباح وللمندوب وتفسيرا لآيات القرآن بالمعاني اللغوية مع أن الله جعل لها معنى شرعيا خاصا غير المعنى اللغوي. أي تفسيرا لآيات الله بغير المعاني التي أرادها الله؟
بيروت - علي فخر الدين