دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 30
قلت: "لا تخف، سوف تسافر، ولكنك تعب ويجدر بك أن تنتظر بضعة أيام أخرى للراحة"
قال: لا أريد راحة يا سيدي، لقد غمرني الشوق إلى بيت الله الحرام، ولا أريد أن أستريح إلى أن أصل إلى البقاع المقدسة، لا ضمان للحياة، ولذلك أخشى أن يوافيني الأجل قبل أن أحقق هذه الرغبة التي تقمصتني منذ شبابي، منذ أكثر من ثلاثين عاما وأنا أحلم ببلاد الله المقدسة، وقد صممت على ألا أفارق الحياة يا مولاي إلا بعد تحقيقها، فأعني بكل ما تستطيع أدخلك الله الجنة.
قلت: من أي مكان أنت من بلاد المغرب؟
قال: من قرب مدينة فاس.
قلت: وما عملك؟
- مزارع
- تعني أنك عامل زراعي؟
- لا يا مولاي، إنني مزارع، صاحب أراض.
- صاحب أرض في هذه الحالة! هل تعني ذلك تملك أراضي زراعية في فاس وأنت على هذه الحالة؟
-هذا ما أراد الله، إننا راضون بقضاء الله، في سبيل الله يا مولاي، في سبيل الله.
كان يقول ذلك في رضى غريب، ولكنني استغربت مع ذلك فسألته: كيف تكون صاحب أراضي وتبخل على نفسك؟ لماذا لم تحمل معك المال الضروري للقيام بهذا المشروع الذي قمت به؟ لماذا لم تركب القطار أو الباخرة ما دمت صاحب أراض، بدلا من أن تسير على قدميك، ألم تجئ سائرا على قدميك؟.
فأجاب وهو ينظر إلى الأرض: "لا يقبلون، فهذه المركوبات لم تخلق لأمثالنا، هذا ما كنت أعتقد، لم أكن أحسب أن المال كل شيء وأن من يدفع ثمن التذكرة يستطيع أن يركب، ولذلك لم أفكر في الحج إلا سيرا على الأقدام، والسفر على هذه الأشياء يحتاج إلى أوراق لا نعرف كيف نحصل عليها، وفوق هذا وذاك يامولاي فإن السفر إلى بيت الله المقدس سيرا على الأقدام من بلادنا البعيدة يزيد في ثوابنا عند الله تعالى، لا حرمنا من النظر إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
كان يقول ذلك وهو يزداد لصقوا بالأرض وتذللا، ولكنني لم أفهم حالته على حقيقتها فقلت له: إنني أسألك سؤالا واضحا، فتجيبني بالتحدث عن فضائل بيت الله المقدس، أقول لك أنت صاحب أراضي زراعية، ومع ذلك أصبحت على هذه الحالة، هل تستطيع أن تقول لي لماذا؟ أليس من الغريب أن تكون صاحب أراض زراعية وأنت هكذا؟ حافي القدمين جائع، ترتدي الأسمال؟
قال: تلك قصة لم أكن أريد أن أرويها لك ولكن هذا ما حصل؛
تقمصتني وأنا في الخامسة عشرة فكرة زيارة قبر الرسول عليه السلام فكنت أفكر فيها وأنا نائم و أفكر فيها وأنا صاح، أية روعة وأي حادث جلل أن تزور قبر حبيب الله الذي سوف يدخلنا جميعا الجنة. وكنت قد ورثت أراضي زراعية عن أبي، وكنت وارثه الوحيد، فأمعنت في أعمالها، وماذا تفيد الأراضي الزراعية؟ هل تدخل الجنة؟ هل تنفع الإنسان في الدار الآخرة؟ كلا يا سيدي، إنني أريد أن أضمن الآجلة، أما العاجلة فسيان عندي قضيتها متسولا حقيرا أو قضيتها في رغد من العيش، فإن هي إلا أيام نقضيها في الحياة ولا ينبغي أن نهتم بحالتنا فيها أما الشيء الذي يطير له الصواب فهو أن ينسى الإنسان تلك الحياة الباقية السرمدية ويلهي نفسه بمتاع الدنيا ... ورثت الأراضي الزراعية وأنا في سن الخامسة عشرة، فقلت إذا كان لهذه الثروة من فائدة فهي أن تكون وسيلة إلى حج بيت الله الحرام، ومنذ ذلك الحين، أي منذ ثلاثين عاما، تلبستني الفكرة يا مولاي، ولم أستطع تنفيذها، لا لحاجتي إلى المال، ولكن لأنني كنت أعلم أن لهذه الأشياء قواعد يجب أن تتبع. وأصولا يجب أن تقتفي، ولذلك أمعنت النظر وقدرت ودبرت ثم تبين لي-وعندي تجارب تبرهن على ذلك- أن السفر مستحيل بالنسبة لأمثالي، إنني منصرف إلى الصلاة وعبادة الله، ولذلك فليس عندي وقت لتلقي المعلومات الضرورية التي يمكن أن تؤهلني للسفر على هذه الوسائل التي خلقها الكفرة، خلقها النصارى، وكيف نؤدي واجباتنا المقدسة متوسلين في ذلك بوسائل خلقها هؤلاء الكفرة الفجرة.
وهنا نفد صبري، فقد كنت أسأله سؤالا واضحا لا يكاد يشرع في الإجابة عنه حتى ينزلق الكلام، فقلت له:
ألا تستطيع أن تفهم أنني أسالك سؤالا واضحا جدا؛ أين أموالك؟ أين أراضيك الزراعية أيها الرجل؟ هل سمعت بصاحب أراض زراعية في مثل هذا الشقاء؟ ماذا فعلت بأراضيك؟
نظر إلي نظرة طويلة كأنه يأسف لعدم فهمي وكأنه يرثي لحالي، ثم أجاب: "أراضي الزراعية ما تزال في مكانها، لقد جمعت محصلاتها وبعتها، ثم اجتمع لدي مال ظننت أنه يكفيني لاجتياز أعظم عقبة في الحياة، فطويت صدري على هذا المال، وقررت أن أنفذ الفكرة الخالدة، فكرة الحج إلى بيت الله الحرام.