دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 29
قصة العدد: محنة إيمان
للأستاذ: عبد المجيد بن جلون
كان ذلك في مصر، قبل أن تقوم الثورة.
دخل علي بقامته المديدة ووقف أمامي فحال بيني وبين النور فدعوته للجلوس.
كان من المتفيهقين الثرثارين الذين يحلو لهم أن يسرفوا في الحديث، وهو رجل قد تجاوز الخمسين، واسع الحيلة، شديد الإلمام بظروف الحياة وتقلباتها، عصبي الطبع، عركته الحياة وعركها، تلقي عليه أول نظرة فتعرف أنه ينتسب إلى العصر التركي ... كان يطرف بعينيه الذابلتين من آن لآخر ويلبس الطربوش الطويل على مؤخرة رأسه، ولا يرى إلا وفي يده عصا وفي يده الأخرى مسبحة وقد أحاط نفسه بجو من الحصانة والحكمة لم يكن فيه زيف كثير ... إذا روعيت الظروف ...
جلس على المقعد الوثير وهو يسأل عن الصحة والأحوال، فكنت أجيبه إجابات مقتضبة لأنني كنت أعرف الغرض من هذه الزيارة، كان يسأل عن الحجاج الذين يأتون من بلاد المغرب البعيدة سيرا على الأقدام، فكان يجمعهم، ويدون أسماءهم، ويؤويهم، ويقضي حاجاتهم، وفي مقابل ذلك يجمع لهم بعض النقود من الهيئات والأشخاص، ويقسمها معهم، فكان في ذلك ربح للجميع، فالحجاج يقضون مآربهم، ويقضي هو مأربه أيضا ... وعلى ذلك فإن من الصعب أن تعرف هل هو من كبار المحسنين أو من كبار المحتالين ... !
جلس وهو يخلع طربوشه الطويل ويضع عصاه ويمر بإحدى يديه على الشعرات الباقية فوق رأسه، ثم التفت فوجد ورقة ملقاة على منضدة صغيرة فالتقطها، إذ كان من هؤلاء الناس الذين لا يترددون في قراءة أوراق غيرهم دون أن يفكروا هل ذلك من حقهم أو لا ...
ومهما يكن من شيء، فقد التقط الورقة وقرأها، وما كاد يفعل حتى انطلقت منه صيحة استغراب وهو يقول: "أعرف هذا الرجل، أعرفه تماما، لقد أقام عندي مدة لا تقل عن أسبوعين، قدمت له خلالها كل مساعدة، يا لتفاهة الحياة! ".
قلت مختصرا: "مسكين، إنها نهاية طبيعية للتشرد" ...
قال: "هل تعرف أن وراء هذا الرجل قصة تستحق الرواية، قصة تمت فصولها، بعد أن ألقيت نظرة على هذه الورقة الملقاة هنا، فدعني أرويها لك".
قال دون أن ينتظر موافقتي: "عندما أقبل عندي هذا الرجل كان في منتهى التعاسة، ولم يكن عندي غيره ... فوجدت من الصعب أن أساعده، لأنني لا أستطيع أن أساعد إلا الجماعات من الحجاج، ولست أستطيع أن أذهب إلى وزارة كذا أو هيئة كذا لأقول لهم إن عندي حاجا واحدا، فطلبت منه أن ينتظر بضعة أيام ريثما يفتح الله علينا بحجاج آخرين.
كان حافي القدمين مكشوف الرأس يرتدي خرقا بالية قذرة، تافه العضلات، مرتجف الأوصال، يبدو عليه التعب الشديد، ولا يستطيع الكلام إلا بجهد، فرأفت لحاله، وقدمت له الطعام فالتهمه التهاما، وبعد مرور يومين وأنا أعتني به، أخذ يسترد قواه.
وفي اليوم الثالث كنت جالسا وحدي، وكان يوما راكدا فلم أجد من أتحدث إليه، ولذلك أرسلت أطلبه فأقبل يجر نفسه جرا، وما كاد يقترب مني حتى ألقي بنفسه إلى الأرض، ونظر إلي متعقبا ما سأقول له، وبينما كنت أرثي لحاله قال لي في شوق: هل تمت الإجراءات، هل أستطيع أن أسافر غدا؟