بعض شماء الآثار والحضارات القديمة بمدينة الصحراء. فقد قام مسيو هانري لوط العالم الفرنسي ورئيس متحف الإنسان بباريس ببحث في فيافي «الهوغار» واكتشف عدة آثار ونقوش تدل دلالة واضحة على مدى ما بلغته الحضارة الصحراوية من تقدم قبل التاريخ.
لقد تركت هذه الحضارة في المغارات أثارا تعد من أروع ما عرفه فن النقش على الحجر، وهي تمثل حيوانات في أوضاع مختلفة من تلك الحيوانات التي لم يبق لها وجود في الصحراء، كما تمثل صورا من الطقوس الدينية والعوائد التي كانت معروفة عند بعض الشعوب والتي يوجد أشباهها في بعض البلاد. ولا تخفى أهمية مثل هذه الاكتشافات في استجلاء أصل الحضارة التي أينعت في الصحراء ومعرفة أصل الشعوب التي عاشت فيها، وبالرغم عن كون علماء الآثار لم يهتدوا لحد الآن إلى الأصل هذه الحضارة وتلك الشعوب، فإنهم متفقون على أنها ترتقي إلى العصر الحجري الصقيل بما عثروا عليه من أدوات خاصة بهذا العصر.
ولا ينبغي أن ننسى أن هذه الاكتشافات حديثة العهد، والمعتقد أن الدوائر العلمية المختصة ستولى العناية اللازمة لهذا الموضوع والمؤمل أن تستخرج أسرار هذه المدنية التي عفى أثرها وعايشت المدنيات القديمة كالحضارة الصينية والفرعونية (1)، ولا تخفى أهمية هذا الاكتشاف بالنسبة للشمال الإفريقي وبالنسبة لبلادنا بوجه خاص. وقد تلقي ضوءا كبيرا على أصل سكان المغرب الذي ما يزال لحد الآن مثار النقاش بين المؤرخين.
وفي هذا الصدد نشر صديقنا الصحافي البلجيكي المتضلع أندري موايان بحثين قيمين في جريدة
« Le Phare dimanche» ومجلة « Le Patriote illustré» البلجيكيتين ضمنهما ما وصل إليه بنفسه من تنقيبات في الأطلس الكبير والأطلس الصغير من بلادنا، لقد قرأ الكثير عن اكتشافات العلماء، ودفعه البحث ومهنته الصحفية إلى زيارة المغرب عشر مرات منذ ثلاث سنوات، وفي آخر مرة توفق إلى العثور عن مغارات والوقوف على نقوش وقبور يرجع عهدها إلى خمسة آلاف سنة قبل المسيح، ومن المقارنة التي قام بها بين النقوش المعروفة والنقوش على الصخر الموجودة في جبال الأطلس الكبير وبين شكل دفن الموتى في العهود القديمة بالصحراء وغيرها من الأقطار، استنتج أن البربر من أرومة واحدة هم سكان
«لا كول بلجيك La Gaule Belgique» الأقدمين، فيكون أصلهم من القوقاز في القطعة من الأرض الواقعة على ضفاف القز وين.
إن هذا الاستنتاج -بالرغم عما يعتمد عليه من قرائن- لا يعدو أن يكون مجرد تخمين ما لم يتوله الأخصائيون من علماء الآثار والأجناس والحضارات بمزيد ما يحفز المهتمين بالحضارات القديمة إلى الكشف عن أسرار حضارة الصحراء التي ما تزال صفحتها مطوية والتي تبشر بإلقاء أضواء لامعة على كثير من جوانب مدنية افريقيا الشمالية والقارة الإفريقية عموما.
(1) توجهت بعثة استكشافية تشتمل على عشرين عالما وصحفيا إلى الصحراء الوسطى للبحث في الهضاب الممتدة ما بين الهوغار والتشاد، ويرأس هذه البعثة مسيو هانري لوط صاحب الاكتشافات التي أشرنا إليها في المقال، وقد خرجت من الجزائر يوم 16 نوفمبر وستقطع مسافة 2600 كيلومتر ذهابا وإيابا وتستمر مهمتها شهرين.