تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 33

بعد اكتشاف مناجم النفط: هل تخرج الصحراء أسرار مدنيتها العتيقة؟

للأستاذ: قاسم الزهيري

لم تبق الصحراء ذلك التيه المخيف الذي ينذر بالموت كل من يتوغل فيه، ولا تلك الأرض الموات التي لا يقام لها وزن ولا يؤبه بحدودها، بل أصبحت في السنوات الأخيرة تحتل المكان الأول من اهتمام رجال الدول، وتخصص لها التعاليق الإضافية من لدن الأخصائيين والملاحظين على أعمدة الصحف والمجلات، وصارت مثار الأطماع والنزاع والخصومات بين الدلو، وقد تغدو -إذا لم توجد لها حلول- عاملا من أهم عوامل التوتر العالمي، ذلك بعدما اكتشف المنقبون في أحشاء الصحراء ثروة ثمينة من النفط وغيره من المعادن.

وموضوع هذا المقال يقتصر على الصحراء الممتدة من جنوب المغرب والجزائر شمالا إلى السودان والسنغال جنوبا ومن الحدود الليبية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، وتبلغ هذه المساحة أزيد من مليونين كيلومتر مربع أو ما يعادل أربع مرات الجزء المتحرر من بلادنا.

إن كنوز هذه الصحراء لم تكشف كلها، وربما كان ما عثر عليه المنقبون سوى جزء ضئيل من الثروة المعدنية المخبوءة في بطن هذه الأرض القاحلة. لقد اكتشفت لحد الآن ثلاث بطائن من البترول:

أولاها واقعة في منطقة «حسي مسعود» على مسافة 650 كيلومترا من مدينة الجزائر وتبلغ كثافة هذه المنطقة 140 مترا نحو ثلاثة كيلومترات ونصف، ويقدر ما يمكن استخراجه منها بأزيد من خمسة ملايين طن في العام. أما البطانة الثانية فتقع في منطقة «عجلة» على مسافة 700 كيلومتر من طرابلس، ويقدر النفط الذي سيستخرج منها بأزيد من ثلاثة ملايين طن في السنة. وأما البطانة الثالثة فتوجد بمنطقة «حسي الرمل» على بعد 450 كيلومترا من عاصمة الجزائر، ولا يقل محصولها أهمية عن كل من سابقتيها، هذا زيادة على المعادن الأخرى التي عثر على بعض مناجمها كالفحم والحديد والمنغنيز والرصاص والنحاس والقصدير والأرانيوم.

وإذا كانت هذه الثروة المعدنية قد بدأت تنكشف، فهناك ثروة معنوية لا تقل عنها أهمية لم تنكشف أسرارها لحد الآن، وهذه الثروة تتجسم في حضارة مزدهرة عرفتها الصحراء قبل التاريخ الميلادي بثلاثة أو أربعة ألاف سنة، وتدل عليها آثار نقوش عثر عليها الباحثون في السنوات العشر الأخيرة، وقد نقل بعضها إلى باريس حيث ملئ بها جناح خاص من «متحف الإنسان».

ويجمع علماء الآثار أن الصحراء كانت في تلك العصور بقعة مخضرة تتخللها أنهار عظيمة ويطيب فيها العيش، وكانت مهد حضارة راقية، وعمارة لا تقل عما نشاهده اليوم في البلاد المتحضرة، ثم أدركها الجفاف ونضبت عيونها بمرور الأجيال والقرون، وإذا عرفنا أن العلماء يقدرون بعشرين كيلومترا المساحة التي تأكلها الصحراء الإفريقية من الأراضي المجاورة لها في كل عام، سهل علينا أن نتصور كيف استحالت تلك السهول إلى أرض قاحلة، وكيف هجرها سكانها حتى لم تبق بها سوى ثمانمائة ألف نسمة منبثة هنا وهناك، وكيف درست تلك الحضارة فأصبحت أثرا بعد عين.

ونجد إشارة لهذه الحضارة في مؤلفات المؤرخين اليونانيين والرومانيين (سطرابون، هيرودوط، بطوليمي) وخاصة منهم سالوسط الذي تحدث كثيرا عن تلك الحضارة في كتابه ٍ «حرب بوغورطة» الملك البربري الذي قاوم الزحف الروماني ومات في الأسر ضحية دفاعه عن استقلال الشمال الإفريقي، وينتظر المرء العقد الخامس من القرن العشرين ليشاهد اهتمام

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٨٠