تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذيوعه، واتخاذه مقياسا لرواج السوق الأدبي، قد جعل الكثير منهم يموتون في بؤس مدقع.

فأبوا العلاء المعري كان في حالة عسر وظل رهين المحبسين لأنه أعرض عن أدب المناسبات، وفضل أن ينتج أدبا يعتصره اعتصارا من إحساسه وشعوره، وإن فيما تركه من شعر خالد وصادق يعبر أحسن تعبير عن الحياة التي كان يحياها، وعن الإحساس الذي كان يشعر به، وعن الأفكار التي كانت تدور بخاطره، لقد سجل كل ذلك بشجاعة وبجرأة وتحمل عواقب انصرافه عن أدب المناسبات غاليا، ولكنه تحمله راضيا ومحتسبا.

والزمخشري؟ .. إن بعض الناس قد يظنون أن الزمخشري لا يمكن أن يوضع في صفوف الأدباء الأقدمين، ولكن ظنهم خاطئ كل الخطأ، فالزمخشري أديب وأديب أصيل، ولكن شهرته كانت محدودة، لأنه لم يكن يؤمن بأدب المناسبات، ورفض أن يجعل من أدب المناسبة لتخليد أدبه، ومن ثم فإنه ظل مغمورا، وبقي أدبه مغمورا إلى يومنا هذا، ولقد عبر عن حالته أحسن تعبير حين قال:

أخرني دهري وقدم معشرا على أنهم لا يعلمون وأعلم

ومذ أفلح الجهال أيقنت أنني أنا «الميم» والأيام أفلح أعلم

وهذا البيت الأخير ينطوي على تصوير لطيف تورده الكتب الأدبية وتشيد بلطفه وبراعة التعبير التي يتضمنها.

فالزمخشري شبه نفسه بأنه حرف «الميم» والأيام أو الدهر أفلح -أعلم- والأفلح في اللغة هو الذي تكون شفته السفلى مشقوقة، أما الأعلم فهوالذي يكون مشقوق الشفة العليا، وشخص تكون شفتاه على هذه الحالة يتعذر عليه -طبعا- أن ينطق بحرف «الميم»، وكذلك كان حال الدهر مع الزمخشري، فلقد كان الدهر أفلح أعلم بالنسبة إليه، غير قادر على النطق به، إن هذا الأديب الفذ قد تحمل الكثير في حياته، وعاش ظروفا قاسية لأنه لم يكن يحبذ أدب المناسبات، ولم يكن مؤمنا به.

وأبو حيان التوحيدي؟ .. إن حالته ربما كانت أسوأ من حالة الزمخشري، ومع أن أبا حيان لا يختلف اثنان في مكانته الأدبية، فقد ظل غريبا في عصره، لأنه رفض أن ينساق مع الأدب السائد وقتئذ وهو أدب المناسبة، واختار لنفسه اتجاها آخر، هو اتجاه الأدب الصادق النابع من شعور فياض، وإحساس صادق، وهذه مآثره تشهد بأصالة هذا النوع من الأدب، وتضع حدا فاصلا بين أدب المناسبة، والأدب الحي الصادق الذي يصدر عن نفس جياشة بصادق الشعور.

أما في الأدب الحديث فإن هنالك مثالا في حياة كل من الشاعرين، شوقي وحافظ، فإن شوقي رغم مكانته الأدبية كان شاعر مناسبة أكثر منه أديبا أصيلا ينتج الأدب للأدب، وصحيح أن شوقي ترك مآثر أدبية رائعة، ولكن هذه المآثر تعد قليلة من حيث الكم، وربما من حيث الكيف كذلك، بالنسبة للصور التي استوحاها من مناسبات الخديوي ورجال السلطة والجاه، أما حافظ فقد أنتج أدبا صادقا عبر فيه عن دخائل نفسه، ولئن كانت الموسيقى في شعر شوقي أكثر ترتيبا وإيقاعا منها في شعر حافظ، فإن ذلك لا يمكن أن ينسينا هذا الفرق فيما بين الشاعرين، نعم، إن في ديوان حافظ نوعا من أدب المناسبة، ولكنه أدب من نوع المناسبات التي تخلد فكرة صادقة تصلح لأن تكون مثالا يقتدي، وتعبر عن مثل أعلى في الحياة.

ولا يضيرنا في شيء أن نعترف بنقط الضعف في أدبنا العربي قديمه وحديثه، فإن هذا الاعتراف من شانه أن يدفعنا دفعا إلى تلافي الوقوع في هذه الأخطاء التي هي -بالطبع- خاضعة لمؤثرات وظروف اجتماعية خاصة اجتازها المجتمع العربي في عصوره المختلفة، فطبعت جانبا كبيرا من أدبنا بطابع يصور لنا هذه الحياة التي كانت تحياها أقلية ضئيلة في هذا المجتمع، والسبب في ذلك هو أن الذين طبعوا هذه الحياة بهذا الطابع الأدبي انصرفوا كل الانصراف أو بعض الانصراف بأدبهم إلى التكسب، وإلى ما أسميه بأدب المناسبات، فهم لا يقولون الشعر إلا إذا أوجد لهم الأمير أو القائد أو الوزير مناسبة يخلدون فيها، وهم إذا ذكروا حادثا من الأحداث، فإنما يذكرونه عرضا وعلى سبيل الاستطراد.

وهذه قصائد الشعر العربي في كثير من قديمه وفي البعض من حديثه شاهدة على ذلك، ومن ثم خلي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٧٥