تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعتقد أن هناك فرقا واضحا فيما بين التشجيع الأدبي الذي يقدر الأدب في شخصية الشاعر أو الكاتب، وبين هذه «الرشوة» التي تمنح للشاعر أو الكاتب ليحمل حملا على إنتاج أدب كاذب في صورة مدح مستبد يسميه أدب التكسب عادلا، وبخيلا يسميه جوادا، وبليدا يسبغ عليه صفة الذكاء الخارق الذي يفوق ذكاء إياس.

وتشهد المؤلفات التي تعطى أصحابها الجوائز الأدبية في العصر الحاضر بهذا، فليس هناك كتاب -فيما أعلم- منح صاحبه جائزة أدبية لأنه أراد تخليد صفات كاذبة لشخص أو لهيئة في نص أدبي، وليس هناك نص أدبي منح جائزة أدبية لأنه صور واقعا أو تخيل فكرة تناقض الفضيلة والتي في طليعتها الصدق في التعبير، ومن ألزم صفات الفضيلة الصدق، الصدق في الإحساس، والصدق في التعبير كذلك. فالشاعر الروسي باسترناك -مثلا- لم يفز بجائزة نوبل للأدب إلا لكونه ساير إحساسه وشعوره غير عابئ بقيود النظام، بل إن الكتب الأدبية والنصوص الثقافية التي ظفرت بجوائز كبرى أو صغرى كان الصدق في الإحساس، والصدق في التعبير من أهم صفاتها، ومن أهم ما لوحظ فيها ومن أقوى الأسباب التي تجعل أعضاء لجان التحيكم يمنحونها جائزة إكبارا منهم، وتشجيعا لهذه الظاهرة التي تجعل النص الأدبي إنتاجا فكريا يخلد فكرة صالحة يمكن أن تكون للمطلعين عليها نبراسا يهتدون به أو يعجبون بسمو فكرته -على أقل تقدير- وأعتقد أن أدب التكسب قد أساء كثيرا إلى الأدب العربي، وأعتقد أيضا أن أدب التكسب كان في أغلب صوره أدب مناسبات، وأستثني من هذه المناسبات تلك المناسبات التي تخلد فكرة أو مبدأ أو تشيد بصفات العظمة في عظيم من العظماء الذين يتوفرون على عظمة صحيحة، وإنما أعني بأدب المناسبات هذا اللون من الأدب الذي تمليه مناسبة تفتعل افتعالا، ويفتعل منها الأدب افتعالا كذلك وتريد أن تجعل من الأدب نوعا من مظاهر زينتها، وصورة من صور الاحتفال بها، والأدب العربي في الكثير من قديمه وفي البعض من حديثه يقدم إلينا صورا من هذا الأدب الذي كان يناصر المستبدين ويضفي أوصاف الأتقياء على الخليعين والمفسدين، ويسبغ أكرم الصفات على أناس يكونون في واقع الأمر من أرذل البشر، وأظن أن القراء المطلعين على الأدب العربي قديمه وحديثه يعرفون صورا من هذا الأدب المنافق المخادع الذي يسخر البلاغة، ويتوسل بالبيان إلى كسب مال أو الحظوة بجاه، فالمتنبي الذي كان يضفي على كافور أنبل الصفات، ويجعل منه قمرا متلألأ الأضواء ويقول فيه مثل هذا البيت الشعري:

وأخلاق كافور إذا شئت مدحه وإن لم أشأ تملي علي وأكتب

هذا المتنبي الشاعر العظيم هو نفسه الذي تنكر فيما بعد لكافور، لأن كافورا لم يلب كل رغباته فقال فيه:

لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد

إن الشاعر العظيم المتنبي الذي كان سخر أدبه، وأنتج أدبا لا يمثل شعوره ولا يعبر عن إحساسه، إنما هو شاعر منافق، وإن الأدب الذي خلفه وراءه ونال به جوائز كافور إلى حين لم يكن أدبا أصيلا، ولن يكون أدبا أصيلا إذا استثنينا ما فيه من نصاعة بيان وإيقاع موسيقي يطرب، ولكنه لا ينفذ إلى أعماق النفس الإنسانية، شأن الآثار التي تعبر عن المشاعر بحق وصدق. تصفحوا بعض الدواوين، وبعض نصوص من النثر الفني لتجدوا أن أغلب القصائد وأغلب النصوص كتب عليها: قالها الكاتب أو الشاعر بمناسبة كذا ... إنني لا أنكر أن في الأدب العربي قديمه وحديثه صورا فنية خالدة، ولكني أعزو أصالتها وخلودها إلى ما تنطوي عليه من صدق، وانصراف أصحابها عن التكلف وإضفاء الصفات المثالية على الذين لا يستحقونها أو مسخ الحقائق في رسم فكرة لا تعبر تعبيرا صادقا عن كل الواقع أو عن البعض من الواقع، اقرأوا أدب أبي حيان التوحيدي أو الزمخشري مثلا، في القديم، ثم اقرأوا أدب المتنبي أو البحتري أو أبي تمام، إنكم ستجدون الفرق واضحا بين فكرة الأدب للأدب قبل كل شيء، وبين فكرة الأدب للمناسبات، وهل من المعقول أن (يؤمم) المتنبي نفسه وشعره لمدح سيف الدولة ثم لمدح كافور الأخشيدي عدوه؟ وهل من المعقول أن (يؤمم) البحتري نفسه كذلك لمدح المعتصم أو المتوكل؟ وهل في هذه الصور الأدبية المتناقضة التي تركها المتنبي في مدح سيف الدولة ثم في مدحه عدوه كافورا صورة حية يتأثر بها الناس؟ وذلك بصرف النظر عن نصاعة البلاغة والإيقاع الموسيقي، إن الأدباء الذين لم يؤمنوا بأدب المناسبات بسبب شيوعه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٧٤