تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكلي دائما وأن كل ما قد نراه شرا من أفعاله، لا يجوز أن يقال أنه شر إلا باعتبار نسبته إلى الأفراد والآحاد وما هو في حقيقة الأمر إلا للخير الكلي وأن وقوعه وسيلة لأزمة لحصول الخير الكلي وأن وقوعه وسيلة لأزمة لحصول الخير الكلي وأنه لو لم يكن لازما وأمكن حصول الخير الكلي بدونه، لما كان له وجود في أفعال الله العليم الخبير واختار لأفعاله نظاما في النظام الحاضر. ونعلم كذلك عندما نمعن النظر في الكون ونظامه، على كل ما فينا من مكامن الضعف والعجز، أن هذا الكون ما كان يصلح له نظام أحسن من نظامه الحاضر. وأنه ليس في الإمكان أن يقترح له نظام آخر لا يكون فيه أثر لنوع من الشرور الجزئية والنسبية. بل الحق أن النظام الحاضر للكون إذا انعدمت فيه الشرور، فلابد أن يكون انعدامها شرا أكبر من شر وجودها لأنه سيحول دون ظهور كثير من الخيرات لأجل خير جزئي واحد. خذ بالبحث -على سبيل المثال- الموت فغنه هو الذي يفر منه الإنسان ويخافه أكثر من كل شيء آخر. فكم من أفراد البشر يسهل عليهم سلوك طريق الحياة موت واحد منهم، ولا معنى لأن يعمر أحد إلى الأبد أن يضيق باب الحياة على عدد كبير منهم. وإذا كانت حياته إلى الأبد خيرا فإنما هي كذلك لذاته فقط لا للخير الكلي. وعلى العكس من ذلك إن موته وإن كان شرا لذته، ولكنه شر هو الوسيلة المحتومة الوحيدة لحصول كثير من الخير الجزئي. أما بالنسبة للخير الكلي، فلا يقع أي نقص يموت هذا الفرد الخاص لأنه لا يحدث شيئا من الاختلال في نظام الكون.

ولك أن تعرف بالقياس على هذا المثال أن كل ما يحل بالأفراد من المصائب والنكبات والآفات، هو شر بناحية ووسيلة لحصول الخير بناحية ولابد للخير الكلي من وقوعه. فأحيانا ندرك بقليل من التأمل جهة كونه وسيلة للخير، ويثبت لنا أحيانا أخرى بالتجربة أن شيئا كنا نحسبه شرار كان في الحقيقة سببا للخير. فالذي يجب علينا، إذا لم ندرك جهة الخير في شر، أن نؤمن على الوجه الإجمالي بأن الله لا يفعل إلا خيرا وما خيرنا إلا في أن نستسلم لقدره المقدور سواء أأدركنا السر في فعله أو لم ندركه.

حوريتي (1)

... حوريتي بك منذ كنت هيامي *** وتحيري في عالم الأحلام

ولقد عشقتك منذ عرفان الهوى *** بل قبل عرفان الوجود الظامي

وبحثت عنك مع الجماهير التي *** سارت إليك بلهفة وغرام

.. خيرت ما بين الحياة وطيبها *** والقصر والأعوان والخدام

ووظائف محفوفة بلذائذ *** وتبختر في حلية ووسام

ما بين ذاك وبين عيش مترد *** بين الجبال السود والآكام

قد خرت وجهك فأنظريني أقتبس *** من نوره المتلألئ البسام

حوريتي دومي إلي فإنني *** لك منذ كنت وفيك هيامي

علال الفاسي

(1) «أبيات من قصيدة الحرية التي نظمت بمنفى ملياما سنة 1943».

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٥٤