تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك لشيخ شيخوخته ولا لشاب شبابه ولا لطفل طفولته كان لا شغل يشغله غير القطع والتخريب، بل الظالم يأتي بعض الحيان بآلة ماضية يدرس بها آلاف من أفراد جنسنا ويقتله دفعة واحدة، إنا لا نرى مصلحة في قطعه وتأبيره واقتلاعه إيانا، بل تراه رجلا مستبدا قد نحت قلبه من حجر ولا حس ولا شعور بألم غيره: يسقينا تارة ويقطع أعضائنا بالمقرض تارة أخرى، ويغذينا تارة بالسماد ويضربنا بالمعول تارة أخرى، ويحفظنا من غيره تارة ويقتلعنا بيده تارة أخرى، ويداوينا في الأمراض تارة، ويقلع رؤوسنا بكل شدة وقساوة قلب تارة أخرى، فكيف يجوز أن نراه رحيما ونعتقد في قلبه عواطف الحب والرأفة والشفقة علينا؟.

قل لي بالله ماذا سيكون من جوابك إذا نطقت الأشجار بهذه الكلمات وانتقدت عليك نظام أعمالك وتدبيرك لشؤون بستانك؟ أفلا تقول: أن هذه الأشجار مقصورة النظر محدودة الفكرة لا ترى إلا وجودها، وأما أنا فواسع النظر أرعى على الدوام مصلحة البستان الشاملة. وإنها لا تعطف إلا على أزهارها وأثمارها وأغصانها وأوراقها وغاية ما يكون منها أن تتعلق بعلاقة الجوار والصداقة والحب والمواساة بما حولها من أفراد جنسها، وأما أنا فنصب عيني خير البستان كله وأعمل بصورة عامة لإصلاحه وتزيينه وتنسيقه. وإن كل شجرة منها تظن لجهلها وغزارتها إني ما غرست البستان كله إلا لأجلها وأجل صديقاتها وحبيباتها، مع أن الحقيقة أن ليس شغفي بها إلا لأجل بستاني، وأنا لا أسهر على حفظها ورعايتها بالغذاء والسقي إلا إلى حد يتفق مع مصلحة البستان وإلا فإني لا أتردد أبدا في قطع أعضائها وتأبير رؤوسها بل ولا في اقتلاعها من جذورها كلما دعتني إليه مصلحة البستان، لأن مصلحة البستان الشاملة أعز علي من مصلحة كل شجرة وأزهارها وأثمارها وأغصانها وأوراقها على حدة. وإن هذه الأشجار تظن أني أقطع ما أقطع منها عداوة لها واعتداء على حقوقها، ولكن ما كل ذلك منها إلا لجهلها وسفاهتها وقصور نظرها، إنها لا تقدر أن تفهم شؤون البستان ومصالحه وما عندها الشعور إلا بأذاها ولا الأمنية إلا براحتها وبقائها، فهي تضجر وتصخب وتتهمني بالظلم والاعتداء إذا ما رأت مني شيئا يصادم أمنيتها وشعورها، ولكن ليست الحقيقة تابعة لظنها ولن أكون ظالما لمجرد شعورها ولن أرض أبدا بتبديل نظامي لتدبير شؤون البستان رعاية لمصلحة كل واحدة منها.

وسع في هذا المثال البسيط وانظر فيه على نطاق أكبر، تجد فيه ما يزيل قلقك واضطرابك أننا نعلم بالنظر في الكون والتفكير في نظامه المنسجم انه من اللازم أن يكون موجد معمله الكبير ومدير شؤونه المتعددة وجودا بالغا الكمال في العلم والحكمة والخبرة. إنه من المستحيل البتة أن يكون غافلا عن رغباتنا وأماني نفوسنا من قد أوجدها فينا أو جاهلا بأحاسيسنا وخيالاتنا من قد أودعنا إياها، أو لا يعلم كيفية ألم الطفل ووجع والديه بمرضه وموته من قد خلقه وجعل حبه في قلوب والديه، ولكنه إذا شاء على علمه بكل هذا -ومن أوسع منه علما- أن يبتلي الطفل ووالديه بمرضه وموته، وإذا رضي أن يدوس أحاسيسنا على علمه بها، وإذا أبى أن ينجز آمالنا وأمانينا على هدم غفلته عنها، فلنعلم أن كل ما قد فعل، كان ما لا مندوحة عنه ولا كان في علمه شيء أفضل منه بحقنا وأنه لو كان لاختاره بدلا منه، لأنه العليم الحكيم ولا يجوز أن يظن بالحكيم أن يفضل شيئا لا مصلحة فيه على شيء فيه المصلحة. ومما لا مجال فيه للريبة على ذلك إننا لا نعرف ما في أفعاله من الأسرار والحكم لأن نظرنا لا يحيط بالكون كله ومن المتعذر علينا أن نعلم أي شيء هو اللازم المناسب ولأي الأوقات أما إن كنا نعتقد على الوجه الإجمالي اعتقادا صحيحا بحكمة الله عز وجل وعلمه وخبرته بكل شيء، فسنعلم علم اليقين عند كل نزول آفة أن حكمة الله التي لابد أن تكون متقاضية لنولها بنا ولا تكون هذه الآفة هي المناسبة لأحوالنا في علمه، فإذن لابد أن تستلم لمشيئته ونرضى بمرضاته.

وحقيقة أخرى نعملها بالتفكير هي أن الله الذي يسير نظام الكون ويدبر شؤونه، نصب عينه الخير

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٥٣