تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 26

نحو بناء مجتمع إسلامي

بقلم الأستاذ أحمد التيجاني

في منعرج التاريخ الذي وصل إليه العالم تظهر الأمم الإسلامية في صورة قطع سحاب ثقال لا تنتظر إلا وميض برق ليتصل بعضها ببعض فينهمر ماؤها على بلدان طال تلهفها إلى ما يطفئ ظمأها ويقنع غلتها، ومما يزيد في الإيمان أن الأقطار الإسلامية امتازت بوضعية جغرافية تلاحمت فيها أجزاؤها على شكل خط استواء من نوع جديد كان فيه تلميحا لقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسط». (أليس بالجدير بعالم اتحدت فيه أقطاره اتحادا صيره كالجسم الواحد أن تتحقق فيه أيضا الوحدة الروحية التي طالما بذلت جهود وتضاعفت مساع جماعية وفردية في سبيل تحقيق هذه الوحدة الروحية بشهادة ما نقرأه في جريدة أم القرى لعبد الرحمن الكواكبي، وفيما خلفه حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني والمصلح الكبير محمد عبده وغيرهم من زعماء النهضة. وسيرا في ضوء هؤلاء العظماء، وعملا بقول الأستاذ جمال الدين الأفغاني: «ما من أحد بأصغر من أن يعين ولا بأكبر من أن يعان» أتقدم إلى المفكرين من رجال الأمة باقتراح أرى فيه الضالة المنشودة والوسيلة الوحيدة لتحقيق الوحدة الروحية تحقيقا تتجاوب فيه مع الوحدة الترابية فأقول: «أمام ما عثرت عليه من التهافت والاستهتار في تراجم القرآن على يد العجم أمثال كازمرسكي ومونتي وسافاري دفعتني غيرة الذب عن القرآن إلى تلافي هذا الخلل فأخرجت للناس ترجمة جاءتهم على يد مسلم عربي من حملة الكتاب، ومن الطبيعي أن تلجئ مهمة بهذه المنابة إلى مراجعة التفاسير: ابن جرير الطبري فمن دونه أمثال ابن كثير والقرطبي والألوسي والرازي «وروح البيان» فاستخلصت من روح المراجعات أن القرآن أشبه شيء بدائرة معارف تكلم عن العقائد وما هو من حسابها من علوم النفس والأخلاق والآداب الفردية والجماعية. وتكلم عن الأحكام مدينة وجنائية وعلى العبادات والتاريخ وألم بالطب والفلك الأمر الذي جعله أعظم وأوسع من أن ينهض بمهمة تفسيره عالم واحد علا كعبه في العلم ما علا فكان من البديهي أن يعهد أمر تفسيره إلى لجنة من علماء اختصاصيين يتولى كل واحد منهم الكلام في الفن الذي عرف به ضرورة، أن قلم المؤرخ في التاريخ أسلس قيادا من قلم الفقيه والألفاظ اللائقة أسرع إليه استجابة زيادة على ما يكسبه صاحب التخصص من الملكة التي تهدي صاحبها إلى وجه ربط المسببات بأسبابها واستخلاص العبرة من الحوادث. هذا جار الله الزمخشري على بعد صيته في العلم وغزارة مادته في العربية نراه تسرقه بنيات الطريق وتخرج به إلى ما لا تتسع له حتى عقول البسطاء كما هي الحال عند تفسير قوله تعالى: «ثم اتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس» بعد أن فسر ظاهر الآية استطرد إلى حكايات كلها كلام وهراء وتهافت في تهافت كان المأمول أن تنزه عنها كتب التفسير.

نعم يشترط في اللجنة التي نصبو إليها ويتطلبها الزمان الحاضر بمزيد الإلحاح أن يكون أعضاؤها مستظهرين للقرآن استظهارا يسهل عليهم استحضار الأشباه والنظائر والمحكمات والمتشابهات المبثوثة في مختلف السور وذلك جريا على قاعدة القرآن يفسر بعضه بعضا. يجري على الألسنة الاستشهاد بقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتب من شيء» على أن المراد بالكتاب في الآية هو القرآن فإذا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٧٠